فأمَّا قولهم: «إنَّ الموجودات في العالم السُّفليِّ مركَّبةٌ على تأثير الكواكب والرُّوحانيات، وفي اتصالها سُعودٌ ونُحوسٌ يوجبُ أن يكون في آثارها حُسْنٌ وقُبحٌ في الأخلاق والأعمال يدركه كلُّ ذي عقلٍ سليم، فلا حاجة لنا إلى من يعرِّفنا حُسْنَها وقُبحَها ...» إلى آخر كلامهم١؛ فكلامُ من هو أجهلُ النَّاس وأضلُّهم وأبعدُهم عن الإنسانيَّة٢.
وقائلُ هذه المقالة منادٍ على نفسه أنه لم يعرف فاطرَه فاطرَ السموات والأرض، ولا صفاته ولا أفعالَه، بل ولا عرَف نفسَه التي بين جنبَيْه، ولا ما يُسْعِدُها ويُشْقِيها، ولا غايتَها، ولا لماذا خُلِقَت؟ ولا بماذا تكمُل وتصلُح؟ وبماذا تفسُد وتهلَك؟ بل هو أجهلُ الناس بنفسه وبفاطرها وبارئها.
وهل يتمكَّنُ العقلُ بعد معرفة النَّفس ومعرفة فاطرها ومبدعِها أن يجحَد النبوَّة، أو يجوِّز على الله وعلى حكمته أن يترك النَّوعَ البشريَّ ــ الذي هو خلاصةُ المخلوقات ــ سُدى ويدعَهم هملًا معطَّلًا، ويخلقهم عبثًا باطلًا؟!
ومن جوَّز ذلك على الله سبحانه فما قدَرَه حقَّ قَدْرِه، بل ولا عرَفه، ولا آمن به؛ قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾[الزمر: ٦٧]، وقال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾[الأنعام: ٩١]، فأخبَر تعالى أنَّ من جحَد رسالاته فما قَدَرَه حقَّ قَدْرِه ولا عرَفه، ولا عظَّمه، ولا نزَّهه عمَّا لا يليقُ به، تعالى الله عما يقولُ الظَّالمون علوًّا كبيرًا.
(١) انظر ما تقدم (ص: ١٠٠٢).
(٢) يعني: حقيقة الإنسان. انظر: «زاد المعاد» (٤/ ١٢).
ثمَّ يقالُ لهذه الطَّائفة: بماذا عرفتم أنَّ الموجودات في العالم السُّفليِّ كلها مركَّبةٌ على تأثير الكواكب والرُّوحانيات؟! وهل هذا إلا كذبٌ بَحْتٌ١ وبَهْت؟!
فهَبْ أنَّ بعض الآثار المشاهَدة مُسَبَّبٌ عن تأثير بعض الكواكب والعُلْويَّات، كما يُشاهَدُ مِن تأثير الشَّمس والقمر في الحيوان والنبات وغيرهما، فمِن أين لكم أنَّ جميعَ أجزاء العالم السُّفليِّ صادرٌ عن تأثير الكواكب والروحانيات؟! وهل هذا إلا كذبٌ وجهل؟!
فهذا العالَم فيه من التغيُّر والاستحالة والكَوْن والفساد ما لا يمكنُ إضافتُه إلى كوكب، ولا يُتَصَوَّرُ وقوعُه إلا بمشيئةِ فاعلٍ مختارٍ قادرٍ قاهرٍ مؤثِّرٍ في الكواكبِ والرُّوحانيات، مسخِّرٍ لها بقدرته، مدبِّرٍ لها٢ بمشيئته، كما تشهدُ عليها أحوالُها وهيآتها وتسخيرُها وانقيادُها أنها مدبَّرةٌ مربوبةٌ مسخَّرةٌ بأمرِ قاهرٍ قادر، يصرِّفها كيف يشاء، ويدبِّرها كما يريد، ليس لها من الأمر شيء، ولا يمكنُ أن تتصرَّف بأنفسها بذَرَّة، فضلًا أن تعطي العالَمَ وجودَه، فلو أرادت حركةً غيرَ حركتها أو مكانًا غيرَ مكانها أو هيئةً أو حالًا غيرَ ما هي عليه لم تجد إلى ذلك سبيلًا.
فكيف تكونُ ربًّا لكلِّ ما تحتها مع كونها عاجزةً مُصَرَّفةً مقهورةً مسخَّرة، آثارُ الفقر مسطورةٌ في صفحاتها٣، وآياتُ العبوديَّة والتَّسخير باديةٌ عليها، فبأيِّ اعتبارٍ نظَر إليها العاقلُ رأى آثارَ الفقر وشواهدَ الحدوث وأدلَّة التَّسخير