وانقطاعه١ وانشقاقُه، فكيف جمعتم بين تكذيب الرسل في الإخبار عن انقطاعه وانشقاقه وانحلاله، وبين دعواكم تركُّبه من ماهيَّاتٍ مختلفةٍ في أنفسها غير ممتنعٍ على المركَّب منها الانحلالُ والانفطار؟!
فلا للرسل صدَّقتم، ولا مع وجوب العقل وقفتم، بل أنتم من أهل هذه الآية: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾[الملك: ١٠].
فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: إنَّ كلَّ برجٍ من البروج الاثني عشر قد ارتسَمَت فيه كواكبُ صغيرةٌ بلغت في الصِّغر إلى حيث لا يمكننا أن نُحِسَّ بهم، ثم إنَّ الكوكبَ إذا وقعَ في مُسَامَتة برجٍ خاصٍّ امتزج نورُ ذلك الكوكب بأنوار تلك الكواكب الصِّغار المُرْتَسِمَة في تلك القطعة من الفلَك، فيحصُل بهذا السبب آثارٌ مخصوصة؟ وإذا كان هذا محتملًا ــ ولم يبطُل بالدليل ثبوتُه ــ تعيَّن المصيرُ إليه.
قيل: طبائعُ تلك الكواكب إن كانت مختلفةً بالماهيَّة عاد المحذورُ المذكور، وإن كانت واحدةً لم يكن ذلك الامتزاجُ إلا متشابهًا٢، فلا يُتَصَوَّرُ صدورُ الآثار المتضادَّة المختلفة عنه.
الوجه الثاني من الكلام على بطلان علم الأحكام: أنَّ معرفة جميع المؤثِّرات٣ الفلَكيَّة ممتنعة، وإذا كان كذلك امتنعَ الاستدلالُ بالأحوال الفلَكيَّة على حدوث الحوادث السُّفليَّة.
(١) (ق، د): «وانفطاره».
(٢) سقطت «إلا» من (ق)، فأفسدت المعنى.
(٣) (ت): «المدبرات».
وإنما قلنا: إنَّ معرفة جميع المؤثِّرات الفلَكيَّة ممتنعة، لوجوه١:
أحدها: أنه لا سبيل إلى معرفة الكواكب إلا بواسطة القُوى٢ الباصِرة، والمرئيُّ إذا كان صغيرًا أو في غاية البُعْدِ من الرَّائي فإنه يتعذَّرُ رؤيتُه لذلك؛ فإن أصغر الكواكب التي في فلَك الثَّوابت ــ وهو الذي تُمْتَحَنُ به قوَّةُ البصر ــ مثلُ كرة الأرض بضعةَ عشر مرَّة٣، وكرةُ الأرض أعظمُ من كرة عُطارِد كذا مرَّة٤.
فلو قدَّرنا أنه حَصَل في الفلَك الأعظم كواكبُ كثيرةٌ يكونُ حجمُ كلِّ واحدٍ منها مساويًا لحجم عُطارِد، فإنه لا شك أنَّ البصرَ لا يقوى على إدراكه؛ فثبت أنه لا يلزمُ مِنْ عدم إبصارنا شيئًا من الكواكب في الفلَك الأعظم عدمُ تلك الكواكب.
وإذا كان كذلك، فاحتمالُ أنَّ في الفلَك الأعظم وفي فلك الثَّوابت وفي سائر الأفلاك كواكبَ صغيرةً ــ وإن كنَّا لا نحسُّ بها ولا نراها ــ يُوجِبُ امتناع معرفة جميع المؤثِّرات الفلَكيَّة٥.
(٣) لعل المقصود: السُّها. وبه جرى المثل في قولهم: «أريه السُّها ويريني القمر». وهو كويكبٌ صغيرٌ جدًّا يكاد يلزق بالكوكب الأوسط من بنات نعش. قال المرزوقي في «الأزمنة والأمكنة» (٢/ ٣٧٣): «والنَّاس يمتحنون به أبصارهم، فمن ضعُف بصره لم يره».
(٤) (ت): «هذا ألف مرَّة». «السر المكتوم»: «كذا ألف مرة». وليسا بشيء. والأرض أكبر من عطارد سبع عشرة مرة تقريبًا عند القدماء. انظر: «الزيج الصابي» للبتاني (١٨٢).