ثلاثة آلاف ميل١، وإذا كان الأمرُ كذلك فكيف يمكنُ٢ ضبطُ هذه المؤثِّرات؟!
وسادسها: هَبْ أنَّا عرفنا تلك الامتزاجات الحاصلة في ذلك الوقت٣ فلا ريب أنه لا يُمْكِننا معرفةُ الامتزاجات التي كانت حاصلةً قبلَه، مع أنَّا نعلمُ قطعًا أنَّ الأشكال السَّالفة ربما كانت عائقةً ومانعةً عن مقتضيات الأشكال الحاصلة في الحال.
ولا ريب أنَّا نشاهدُ أشخاصًا كثيرةً من النبات والحيوان والإنسان تحدُث مقارِنةً لطالعٍ واحد، مع أنَّ كلَّ واحدٍ منها مخالفٌ للآخر في أكثر الأمور، وذلك أنَّ الأحوال السَّالفة في حقِّ كلِّ واحدٍ تكونُ مخالفةً للأحوال السَّالفة في حقِّ الآخر.
وذلك يدلُّ أنه لا اعتمادَ على مقتضى الوقت، بل لا بدَّ من الإحاطة بالطوالع السَّالفة، وذلك مما لا وقوفَ عليه أصلًا؛ فإنه ربَّما كانت الطوالعُ السَّالفة دافعةً مقتضياتِ هذا الطالع الحاضر.
وعلى هذا الوجه عوَّل ابنُ سينا في كتابيه اللذين سمَّاهما: «الشفا»، و«النجاة»٤ في إبطال هذا العلم.
(١) انظر: «المطالب العالية» (٨/ ١٥٥).
(٢) ليست في (ق).
(٣) «السر المكتوم»: «قبل هذا الوقت».
(٤) «الشفاء» (٤٨٥ - الإلهيات)، و«النجاة» (٧٠٧). وله رسالةٌ مفردة مطبوعة في الردِّ على المنجمين.
فثبت بهذا أن الوقوف التامَّ على المؤثِّرات جميعها ممتنعٌ مستحيل، وإذا كان الأمرُ كذلك كان الاستدلالُ بالأشخاص الفلَكيَّة على الأحوال السُّفليَّة باطلًا قطعًا.
الوجه الثالث١: أنَّ تأثيرَ الكوكب فيما ذكرتم من السَّعْد والنَّحْس إمَّا بالنظر إلى مفرده، وإمَّا بالنظر إلى انضمامه إلى غيره، فمتى لم يُحِط المنجِّمُ بهاتين الحالتين لم يصحَّ منه أن يحكُم له بتأثير٢، ولم يحصُل إلا على تعارض التقدير.
ومن المعلوم أنَّ في فلَك البروج كواكبَ شذَّت عن الرَّصَد معرفةُ أقدارها وأعدادها، ولم يعرف الأحكاميُّون ما يوجبُه خواصُّ مجموعاتها وأفرادها؛ فخرج الفريقان: أصحابُ الرَّصَد، والأحكام، عن الإحاطة بما في طِباعها، وما عسى أن تؤثِّره مع السيَّارة٣ عند انفرادها واجتماعها.
فما الذي يؤمِّنكم عند ذلكم٤ وقوعَ نجمٍ من تلك النجوم المجهولة
(١) من وجوه بطلان علم أحكام النجوم.
(٢) (د): «يحكم بتأثير»، وكتب ابن بردس فوق الكلمة الثانية بخطٍّ دقيق: ينظر.
(٣) الكواكب قسمان: ثابتة، وسيَّارة. والسيَّارة إذا خرج منها النيِّران (الشمس والقمر) تسمى: متحيَّرة، وهي عطارد وزحل والزهرة والمشتري والمريخ، وسميت بذلك لأنها توجد في بعض الأحايين مرتدةً عن وجهتها، راجعةً في سيرها إلى خلاف التوالي، وفي بعضها مقيمةً في أمكنتها واقفةً غير سائرة، ووقفُ السائر ورجوعُه من لوازم التحيُّر والدهش. انظر: «القانون المسعودي» (٣/ ٩٨٧)، وما سيأتي (ص: ١٣٦٠).
(٤) في الأصول: «كلكم». وهو خطأ. وربما كانت: حكمكم. والأشبه ما أثبت. وفي (ط): «كلكم عند ... الطالع أن يكون». وهو من تصرف الناشر.