مفتاح دار السعادة

الرَّصَد١، وبيَّن أنَّ ذلك الخلل ليس في وُسْع الإنسان دفعُه وإزالتُه.

وإذا عُرِفَ هذا فنقول: إذا بَعُدَ العهدُ بتجديد الرَّصَد اجتمعت تلك المُسامَحَاتُ القليلة، ويحصلُ بسببها تفاوتٌ عظيمٌ في مواضع الكواكب، وكذلك فإذا وُجِد موضعُ الكوكب بحسب بعض الزِّيجات٢ درجةً معينة٣، ووُجِدَ بحسب زِيجٍ آخر غير تلك الدَّرجة؛ ربَّما حصل التفاوتُ بالبروج.

ولمَّا كان علمُ الأحكام مبنيًّا على مواضع الكواكب٤ ومناسباتها، ثمَّ قد تبيَّن أنَّ التفاوتَ الكثير وقع في قَطْع الكواكب٥ = عُلِمَ بطلانُ هذا العلم وفسادُه٦.

الوجه التاسع: أنَّ المعقول من تأثير هذه الكواكب في العالم السُّفلي هو أنها بحسب مَسَاقِط شُعاعاتها تسخِّنُ هذا العالَم أنواعًا من السُّخونة.

  1. (١) عَدَّ منها قريبًا من ثلاثين وجهًا من الوجوه التي لا يمكنُ الاحتراز عنها. انظر: «المطالب العالية» (٨/ ١٥٥).
  2. (٢) جمع «زيج»، فارسية معربة، وهو كتابٌ فيه جداول يعرَف بها مواضعُ الكواكب وسيرها، بطريقةٍ حسابية، ومنه يستخرج التقويم. انظر: «قصد السبيل» (١/ ١٠١)، و«مفاتيح العلوم» (١٩٧)، و«أبجد العلوم» (٢/ ٣١٤).
  3. (٣) في طرة (د، ق): «لعله: حين». ولا وجه له، فالعبارة كذلك في «السر المكتوم» (٢٧).
  4. (٤) من قوله: «وكذلك فإذا وجد» إلى هنا ساقط من (ت)؛ لانتقال النظر.
  5. (٥) أي: في سيرها وقطعها للمسافات. انظر: «روح المعاني» (٩/ ١٣٥، ٢٣/ ٢٤).
  6. (٦) انظر: «أبكار الأفكار» للآمدي (٢/ ٢٧٢).
1189

فأمَّا تأثيراتُها في حصول الأحوال النفسانيَّة، من الذَّكاء والبلادة، والسَّعادة والشَّقاوة، وحُسْنِ الخلق وقُبحِه، والغِنى [والفقر]، والهمِّ والسرور، واللذَّة والألم= فلو كان معلومًا لكان طريق علمه إمَّا الخبرُ الذي لا يجوزُ عليه الكذب، أو الحسُّ الذي يشتركُ فيه الناس، أو ضرورةُ العقل، أو نظرُه، وشيءٌ من هذا كلِّه غيرُ موجودٍ البتَّة؛ فالقولُ به باطل.

ولا يمكنُ الأحكاميِّين أن يدَّعوا واحدًا من الثلاثة الأُوَل١، وغايتُهم أن يدَّعوا أن النظر والتجربة قادهم إلى ذلك، وأوقعهم عليه. ونحن نبيِّن فساد هذا النظر والتَّجربة بما لا يمكنُ دفعُه من الوجوه التي ذكرناها، ونذكرُ غيرها ممَّا هو مثلُها وأقوى منها.

وكلُّ علمٍ صحيح فله براهينُ يستند إليها تنتهي إلى الحِسِّ أو ضرورة العقل، وهذا العلمُ فلا ينتهي إلا إلى حَدْسٍ وتخمينٍ لا تغني من الحقِّ شيئًا، وغاية أهله تقليدُ من لم يَقُمْ دليلٌ على صِدْقه.

الوجه العاشر: أنَّا إذا فَرضنا أنَّ رجلين سألا منجِّمَين في وقتٍ واحدٍ في بلدٍ واحدٍ عن خصمَين، أيُّهما الظَّافر بصاحبه؟ فهاهنا يكونُ ذلك الطَّالعُ مشتركًا بين كلِّ واحدٍ من ذَينِك الخصمَين، فإن دلَّ ذلك الطَّالع على حال الغالب أو المغلوب، مع كونه مشتركًا بين الخصمين٢، لَزِمَ كونُ كلٍّ منهما غالبًا لخصمه ومغلوبًا من جانبه. وذلك محال.

فإن قالوا: بُيِّن حالُ كلِّ واحدٍ منهما بسبب طالع الأصل، أو طالع التحويل، أو برج الانتهاء.

  1. (١) وهي: الخبر المقطوع بصدقه، والحِسُّ المشترك، وضرورة العقل.
  2. (٢) من قوله: «فإن دلَّ ذلك» إلى هنا ساقط من (ت)؛ لانتقال النظر.
1190

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي