مفتاح دار السعادة

أحكام النجوم، وهم الأكثرون من الخلائق. ومثالُ البصراء عندهم: هم أهل هذا العلم١، وهم الأقلُّون. ومثالُ الطريق الذي حصلت فيه الآبارُ العميقةُ المُهْلِكة: الزمان الذي يمضي على الخلق أجمعين٢. ومثالُ تلك الآبار: المصائب الزمانيَّة والمِحَن والبلايا.

فلو كان هذا العلمُ صحيحًا لوجَب أن يكون فوزُ المنجِّمين بالغِنى والسلامة والنِّعم أتمَّ فوز، وسلامتُهم فوق كلِّ سلامة. ومعلومٌ أنَّ الأمر بالعكس، والغالبُ كونُ المنجِّمين ومَنْ سَمِعَ منهم وعَمِلَ بقولهم في الإدبار والنَّحْس والحرمان، والواقعُ أبينُ شاهدٍ بذلك، ولو ذهبنا نذكُر الوقائعَ التي شُوهِدَت من ذلك واشتملت عليها التواريخُ لزادت على ألوفٍ عديدة.

فلا تجدُ أحدًا راعى هذا العلمَ وتقيَّد به في حركاته واختياراته إلا وكانت عاقبتُه قريبًا إلى إدبارٍ ونِكايةٍ وبلايا لا يصابُ بها سواه، ومَنْ كَثُرَ خُبْرُه بأحوال الناس فإنه يعرفُ من ذلك مالا يعرفُه غيرُه.

الوجه الثاني عشر: أنَّا نشاهدُ عالَمًا كثيرًا يُقْتَلون في ساعةٍ واحدةٍ في حرب، وخلقًا يَغْرَقُون في ساعةٍ واحدة، مع القطع باختلاف طوالعهم، واقتضائها عندكم أحوالًا مختلفة! ولو كان للطوالع تأثيرٌ في هذا لامتنع عند اختلافها الاشتراكُ في ذلك٣.

ولا ينفعكم جوابُ من انتصر لكم بأنَّ الطوالعَ قد يكون بعضُها أقوى من بعض، ولعل طالعَ الوقت أقوى من طالع الأصل، وكان الحكمُ له، فإنَّ

  1. (١) (ق): «العمل».
  2. (٢) في «رسائل الشريف المرتضى»: «يمضي عليه الخلق أجمعون».
  3. (٣) انظر: «الفِصَل» (٥/ ١٥٠)، و«تفسير القرطبي» (١٩/ ٢٨).
1192

طالعَ الوقت لعلَّه اقتضى هلاكًا أو غرقًا عامًّا، وهو أقوى من طالع الأصل، فكان التأثيرُ له= لأنَّا نقول: هذا بعينه يُبْطِلُ عليكم طالعَ المولود والأصل، ويُحِيلُ القولَ بتأثيره واعتباره جملة؛ فإنَّ الطوالعَ بعده مختلفةٌ كثيرة، ولعلَّ بعضها١ أو أكثرها أقوى منه، فيكون الحكمُ بمُوجَبه باطلًا، إذ لا أمانَ لكم من اقتضاء الطوالع بعده ضدَّ ما اقتضاه، وحينئذٍ فلا يفيدُ اعتبارُه شيئًا.

الوجه الثالث عشر: أنَّا نرى الجيشَين العظيمَين والحِزْبَين المتغالبَيْن٢ يقتتلان ويختصمان، وقد أُخِذَ طالعُ الوقت لكلٍّ منهما، ومع هذا فالمنصورُ والغالبُ أحدُهما، مع أنَّ الطالعَ واحد!

ولا ينفعُكم في هذا جوابُ من انتصر لكم بأنه لا مانعَ من القول بخطأ الآخِذ للطالع في الحساب والحُكم؛ فإنه لو أُخِذَ لهما أيُّ طالعٍ كان لم يكن الغالبُ إلا أحدَهما، حتى لو كان الطالعُ قطعًا٣ لا يُتَصَوَّرُ فيه الغلطُ لم يكن بدٌّ من كون أحدهما غالبًا والآخر مغلوبًا، وهذا يُبْطِلُ مذهبَ الأحكام بلا ريب٤.

الوجه الرابع عشر: أنَّ الأجزاء المفترَضة في الفلَك إمَّا أن تكون متشابهةً في الطبيعة والماهيَّة، أو مختلفةً فيها؛ فإن كانت متشابهةً٥ كان الجزءُ الذي

  1. (١) في الأصول: «واصل بعضها». والمثبت أشبه بالصواب. وانظر: «الفلاكة والمفلوكون» (٢٥)، ففي سياقه اختلاف.
  2. (٢) (ق): «المتعاليين». (ت): «المتقابلين».
  3. (٣) (ت): «قطعيا». وطمست الياء في (د، ق).
  4. (٤) انظر: «غاية المرام» (٢١٢)، و«أبكار الأفكار» (٢/ ٢٧٢).
  5. (٥) (ق، د): «متساوية».
1193

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي