طالعَ الوقت لعلَّه اقتضى هلاكًا أو غرقًا عامًّا، وهو أقوى من طالع الأصل، فكان التأثيرُ له= لأنَّا نقول: هذا بعينه يُبْطِلُ عليكم طالعَ المولود والأصل، ويُحِيلُ القولَ بتأثيره واعتباره جملة؛ فإنَّ الطوالعَ بعده مختلفةٌ كثيرة، ولعلَّ بعضها١ أو أكثرها أقوى منه، فيكون الحكمُ بمُوجَبه باطلًا، إذ لا أمانَ لكم من اقتضاء الطوالع بعده ضدَّ ما اقتضاه، وحينئذٍ فلا يفيدُ اعتبارُه شيئًا.
الوجه الثالث عشر: أنَّا نرى الجيشَين العظيمَين والحِزْبَين المتغالبَيْن٢ يقتتلان ويختصمان، وقد أُخِذَ طالعُ الوقت لكلٍّ منهما، ومع هذا فالمنصورُ والغالبُ أحدُهما، مع أنَّ الطالعَ واحد!
ولا ينفعُكم في هذا جوابُ من انتصر لكم بأنه لا مانعَ من القول بخطأ الآخِذ للطالع في الحساب والحُكم؛ فإنه لو أُخِذَ لهما أيُّ طالعٍ كان لم يكن الغالبُ إلا أحدَهما، حتى لو كان الطالعُ قطعًا٣ لا يُتَصَوَّرُ فيه الغلطُ لم يكن بدٌّ من كون أحدهما غالبًا والآخر مغلوبًا، وهذا يُبْطِلُ مذهبَ الأحكام بلا ريب٤.
الوجه الرابع عشر: أنَّ الأجزاء المفترَضة في الفلَك إمَّا أن تكون متشابهةً في الطبيعة والماهيَّة، أو مختلفةً فيها؛ فإن كانت متشابهةً٥ كان الجزءُ الذي
(١) في الأصول: «واصل بعضها». والمثبت أشبه بالصواب. وانظر: «الفلاكة والمفلوكون» (٢٥)، ففي سياقه اختلاف.
هو الطالعُ مساويًا لسائر الأجزاء، وحُكمُ سائر الأجزاء واحدًا١، وإن كانت الأجزاءُ مختلفةً في الماهيَّة والطبيعة فلا ريب أنَّ الفلَك جِرْمٌ في غاية العظمة، حتى قالوا: إنَّ الرجلَ الشَّديد العَدْو إذا رَفَع رجلَه ووَضعَها يكون الفلَك قد تحرَّك ثلاثةَ آلاف ميل٢.
وإذا كان كذلك، فمِن الوقت الذي ينفصلُ الولدُ من بطن أمِّه إلى أن يأخذَ المنجِّمُ الأصطرلاب٣ ويأخذَ الارتفاعَ يكون الفلَكُ قد تحرَّك مثلَ كلِّ الأرض كذا ألف مرَّة.
وإذا كان الأمرُ كذلك، فالجزءُ الذي يأخذُه المنجِّمُ بالأصطرلاب ليس الجزءَ الطالعَ في الحقيقة٤، وإذا كانت الأجزاءُ الفلَكيَّة مختلفةً في الطبيعة والماهيَّة عَلِمْنَا أنَّ أخذَ الطوالع محال.
وقد اعترف فضلاؤكم بهذا، وقالوا: إنَّ الأمر وإن كان كذلك إلا أنَّ التجربةَ قد دلَّت على أنَّ هذا الطالعَ الذي تعذَّر على الإنسان تحصيلُه يدلُّ على كثيرٍ من تَقْدِمة٥ المعرفة، مع ما فيه من الخلل الكثير الذي ذكرتم، فوجبَ أن لا يُهْمَل.
(١) (ت): «كان الجزء الذي هو الطالع وحكم سائر الأجزاء واحد».
(٢) انظر: «المطالب العالية» (٨/ ١٥٦).
(٣) بالصَّاد وبالسين، يونانيةٌ معربة، آلة استعملها الفلكيون القدماء في تعيين مواضع الكواكب، وقياس ارتفاعها، ومعرفة الوقت والجهات الأصلية. انظر: «قصد السبيل» (١/ ١٩٤)، و«المعجم الوسيط» (١٧).
(٤) انظر: «أبكار الأفكار» (٢/ ٢٧٢).
(٥) في الأصول: «مقدمة». وهو تحريف. وسيأتي بيانها (ص: ١٣١٠).