الوجه الخامس عشر: أنَّ الأجسامَ لا تنفعلُ في غيرها إلا بواسطة المُماسَّة، وهذه الكواكبُ لا مُماسَّة لها بأعضائنا وأبداننا وأرواحنا، فيمتنعُ كونُها فاعلةً فينا١.
أقصى ما في الباب أن يقال: إنها وإن لم تكن مُماسَّةً لأعضائنا إلا أنَّ شُعاعها يَصِلُ إلى أجسامنا.
فيقال: لا ريب أن تأثيرَ الشُّعاع إنما يكونُ بالتَّسخين عند المُسامَتة٢ أو بالتَّبريد عند الانحراف عن المُسامَتة؛ فهذا ــ بعد تصحيحه ــ يقتضي أن لا يكون لهذه الكواكب تأثيرٌ في هذا العالَم إلا على سبيل التَّسخين والتَّبريد.
فأمَّا أن تُعْطِي العلومَ والأخلاق، والمحبة والبغضاء، والموالاة والمعاداة، والعِفَّة والحريَّة٣، والنَّذالة والخُبْث، والمكر والخديعة، فذلك خارجٌ عن معقول العقلاء، وهو مِنْ حماقات الأحكاميِّين وجهالاتهم.
(٢) الموازاة والمقابلة. «التاج» (سمت). وفي (ق): «المشامتة» بالمعجمة. وفي (ت): «المماسة». في الموضعين.
(٣) مهملة في (د، ق). والحرية تطلق عرفًا على العفَّة، فيقال: غلام حر، أي: عفيف. انظر: «زاد المعاد» (٣/ ٥٨٤)، و«بدائع الفوائد» (١٣٧٣)، و«إعلام الموقعين» (٤/ ٢٢٨). وربما كانت تحريفًا عن: «والجود»، والمصنف يذكرهما كثيرًا في خصال الكمال.
غايةَ الخير والأفعال الحميدة، وهذا غايةَ الشرِّ والأفعال الخبيثة، والشُّعاعُ قد سَخَّنَ مراكبها١، فما المُوجِبُ لانفعال نفسَيْهما عن هذا التَّسخين هذا الانفعالَ المتباعِدَ المتناقض٢؟!
وأيضًا؛ فما المُوجِبُ لاختلاف القَوابِل، وتأثيرُ الكواكب فيها بطَبْعِه وتسخينه وتبريده؟! فكيف اختلفت القَوابِلُ هذا الاختلافَ العظيم وهي مستندةٌ إلى تأثيرٍ واحد؟!
الوجه السادس عشر: أنَّ رجلًا لو جلس في دارٍ لها بابان، شرقيٌّ وغربيٌّ، فسأل المنجِّمَ وقال: مِنْ أيِّهما يقتضي الطالعُ خروجي؟ فإذا قال له المنجِّم: من الشرقيِّ، أمكَنَه تكذيبُه والخروجُ من الغربي، وبالعكس، وكذلك السَّفرُ في يومٍ واحد، وابتداءُ البناء وغيره في يومٍ يعيِّنه له المنجِّم ويحكمُ باقتضاء الطالع له من غير تقُّدمٍ عنه ولا تأخُّر، فإنه يُمْكِنُه تكذيبُه في ذلك أجمَع٣.
فإن قلتم: إنَّ المنجِّم إذا أخبره بما يفعلُه ويختارُه يصيرُ ذلك داعيًا له إلى أن يخالِفَه في قوله ويكذِّبه، فالطريقُ إلى علَّة تصديقه٤ أن يحكُم ذلك المنجِّم على معيَّنٍ، ويكتبه في كتابٍ ويخفيه، أو يذكرَه لإنسانٍ آخر ويخفيه عن صاحب الواقعة، فهاهنا يظهرُ صدقُ المنجِّم!