مفتاح دار السعادة

فيما دون سبعة آلاف مقاتل، فانهزَم أصحابُ ابن زيادٍ بعد أن قُتِلَ منهم خلقٌ لا يحصيهم إلا الله، حتى قيل: إنهم١ ثلاثةٌ وسبعون ألفًا، ولم يُقْتَلْ من أصحاب ابن الأشتَر سوى عددٍ لا يبلغون مئة، وفيهم يقولُ الشَّاعر:

برزُوا نحوَهم بسبعةِ آلافٍ أرَتهُم عجائبًا في اللقاءِ
فتَعشَّوا منهم بسبعين ألفًاأو يزيدونَ قبل وقتِ العشاءِ
فجزاكَ ابنَ مالكٍ وأبا إســحاقَ عنَّا الإلهُ خيرَ جزاءِ٢

يريدُ بابن مالكٍ إبراهيمَ بن مالك الأشتَر، وأبو إسحاق كنية المختار.

وقتلَ ابنُ الأشتَر عبيدَ الله بن زياد في المعركة، ولم يَعْلَمْ به، حتى إذا هدأ الليلُ قال لأصحابه: لقد ضربتُ على شاطاء هذا النَّهر رجلًا فرجَع إليَّ سيفي وفيه رائحةُ المسك، ورأيتُ إقدامًا وجُرأة، فصرعتُه فذهبَت رجلاه قِبَل المشرق ويداه قِبَل المغرب، فانظُروه، فأتوه بالنِّيران، فإذا هو عبيدُ الله بن زياد. ذكر ذلك المبرِّد في «الكامل»٣.

فانظُر حكمةَ الله في انعكاس ما قال الكذَّابون المنجِّمون!

وقيل: لما علم عبيدُ الله بن زياد أنَّ أمر القتال قد تيسَّر، وسأل٤ منجِّمَه عن

  1. (١) (ت، ص): «حتى قتل منهم». وكذا في (د)، لكن صحِّحت في الطرة. (ق): «حتى قيل إنهم قتل منهم»، لم يحسن التصحيح.
  2. (٢) الثاني في «التذكرة» للقرطبي (١١٢٤) عن «مرج البحرين» لابن دحية.
  3. (٣) (٣/ ١٩٦). ورائحة المسك لا من دمه، بل من طيبٍ وضعَه!
  4. (٤) كذا في الأصول. والأشبه حذف الواو.
1201

قوَّة نجمِه ونجمِ ابن الأشتَر، وقال: والله إني لأعلمُ أنه ليس بشيء، إلا أني كنتُ أنا وهو صغيران١ وقعَت بيني وبينه خصومةٌ بسبب حَمَام كنَّا نلعبُ به، فضربني إلى الأرض، وقعَد على صدري، وقال: والله إني قاتلُك، ولا يقتلُك أحدٌ غيري إن شاء الله، وأنا من استثنائه بالمشيئة خائف! فذهبَ به منجِّمه إلى ما قرَّره المنجِّمون له مِن قوَّة نجمِه وأنَّ هذا وهمٌ منه، وحكمُ النجوم يقضي على وهمه، فحقَّق الله سبحانه ذلك الوهم، وأبطلَ حكمَ الطالع والنجم!

ومِن ذلك: اتفاقُهم عندما تمَّ بناءُ بغداد سنة ستٍّ وأربعين ومائة أنَّ طالعَها يقضي بأنه لا يموتُ فيها خليفة٢، وشاع ذلك، حتى هنَّأ الشعراءُ به المنصور٣، حتى قال بعض شعرائه:

يَهْنيكَ منها بلدةً يُقضى لناأنَّ المماتَ بها عليك حرامُ
لمَّا قَضَت أحكامُ طالع وقتِهاأن لا يُرى فيها يموتُ إمامُ

وأكَّد هذا الهذيانَ في نفوس العوامِّ موتُ المنصور بطريق مكة، ثم المهدي بماسَبَذان٤، ثم الهادي بعِيسَاباذ٥، ثم الرَّشيد بطُوس٦، فلمَّا

  1. (١) كذا في الأصول. والصواب: «صغيرين».
  2. (٢) انظر: «تاريخ بغداد» (١/ ٦٨)، و«البداية والنهاية» (١٢/ ٣٩١)، و«معجم البلدان» (١/ ٤٦٠).
  3. (٣) انظر: «تاريخ بغداد» (١/ ٦٨)، و«ثمار القلوب» (٧٤١).
  4. (٤) موضع في بلاد فارس. «معجم البلدان» (٥/ ٤١).
  5. (٥) محلةٌ بشرقي بغداد، منسوبة لعيسى بن المهدي، ومعنى «باذ» بالفارسية: عمارة. «معجم البلدان» (٤/ ١٧٢).
  6. (٦) من مدن نيسابور بإقليم خراسان، وتقع أطلالها اليوم على بضعة أميال من شمال مدينة مشهد بإيران. انظر: «معجم البلدان» (٤/ ٤٩)، و«بلدان الخلافة الشرقية» (٤٣٠)، و«دائرة المعارف الإسلامية» (١٥/ ٣٥٨). وفي (ص): «بطرسوس»، وهو خطأ، هذه من ثغور الشام، وهي اليوم ضمن حدود تركيا، وبها دفن المأمون. «معجم البلدان» (٤/ ٢٨).
1202

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي