مفتاح دار السعادة

فرزقَه الله التوفيقَ في مخالفتهم، ففتَح اللهُ على يديه ما كان مُغْلَقًا، وأصبح كذبُهم وخَرْصُهم بعد أن كان موهومًا عند العامَّة١ محقَّقًا، ففتَح عَمُّوريَّة وما والاها من كلِّ حصنٍ وقلعة، وكان ذلك من أعظم الفتوحات المعدودة.

وفي ذلك الفتح قام أبو تمَّام الطَّائيُّ منشدًا له على رؤوس الأشهاد:

السَّيْفُ أصدقُ أنباءً من الكتبِ ... في حَدِّهِ الحَدُّ بين الجِدِّ واللَّعبِ ... بِيضُ الصَّفائحِ لا سُودُ الصَّحائفِ في ... مُتونهنَّ جلاءُ الشكِّ والرِّيَبِ ... والعِلمُ في شُهُبِ الأرماح لامِعةً ... بينَ الخَمِيسَين لا في السَّبعةِ الشُّهُبِ٢... أين الرِّواية أم أين النجومُ وما ... صاغُوه مِن زُخْرفٍ فيها ومِنْ كذب

تخرُّصًا وأحاديثًا مُلفَّقَةًليست بِنَبْعٍ إذا عُدَّتْ ولا غَرَبِ٣

عجائبًا زعموا الأيامَ مُجْفِلةً٤... عنهنَّ في صَفَرِ الأصفارِ أو رَجَبِ

وخوَّفوا النَّاسَ مِنْ دهياءَ مُظْلِمةٍإذا بدا الكوكبُ الغربيُّ ذو الذَّنَبِ
وصيَّروا الأبرُجَ العُليا مرتِّبةًما كانَ منقلِبًا أو غيرَ منقلِبِ
يقضونَ بالأمر عنها وهي غافلةٌما دارَ في فَلَكٍ منها وفي قُطُبِ
لو بَيَّنَتْ قطُّ أمرًا قبلَ مَوْقِعهلم يَخْفَ ما حلَّ بالأوثانِ والصُّلُب
  1. (١) (ص): «عند الناس».
  2. (٢) الخميسين: الجيشين. والشهب السبعة: زحل والمشتري والمريخ والشمس والزهرة وعطارد والقمر.
  3. (٣) النَّبع: شجرٌ صلب. والغَرَب: شجرٌ ينبت على الأنهار ليست له قوة. يقول: هذه الأحاديث ليست بقويةٍ ولا ضعيفة، أي هي غيرُ شيء.
  4. (٤) مجفلة: أحسَّت بأمرٍ يَذْعَرها فهربت منه بعجلةٍ ورعب.
1204

وهي نحوٌ من سبعين بيتًا١، أُجِيزَ على كلِّ بيتٍ منها بألف درهم.

ومِن ذلك: اتفاقُهم سنة اثنتين وتسعين ومئتين في قصَّة القرامطة على أنَّ المكتفي بالله إن خرَج لمقاتَلتهم كان هو المغلوبَ المهزوم٢، وكان المسلمون قد لَقُوا منهم على توالي الأيام شرًّا عظيمًا وخَطبًا جسيمًا، فإنهم قتلوا النساءَ والأطفال، واستباحوا الحَرِيمَ والأموال، وهدموا المساجد، وربطوا فيها خيولَهم ودوابَّهم، وقصَدوا وفدَ الله وزوَّار بيته فأوقعوا فيهم القتلَ الذَّريع والفعلَ الشَّنيع، وأباحوا محارمَ الله، وعطَّلوا شرائعَه.

فعزمَ المكتفي على قتالهم والخروج إليهم بنفسه، فجمعَ وزيرُه القاسمُ بن عبيد الله٣ مَن قَدِرَ عليه من المنجِّمين، وفيهم زعيمُهم أبو الحسن العاصمي٤، وكلُّهم أوجَب عليه بأن يشيرَ على الخليفة أن لا يخرُج، فإنه إن خرَج لم يرجع، وبخروجه تزولُ دولتُه، وبهذا تشهدُ النجومُ التي يقضي بها طالعُ مولده، وأخافوا الوزيرَ من الهلاك إن خرَج معه.

وقد كان المكتفي أمَر الوزيرَ بالخروج معه، فلم يَجِد بُدًّا من متابعته، فخرَج وفي قلبه ما فيه، وأقام المكتفي بالرَّقَّة حتى أُخِذ أعداءُ الله جميعًا، وسُقِيَت جموعُهم بكأس السيف نَجِيعًا.

ثمَّ جاء الخبرُ مِن مِصر بموت خُمَارويه بن أحمد بن طُولون، وكانوا به

  1. (١) ديوانه، بشرح التبريزي (١/ ٤٠ - ٧٤).
  2. (٢) في الأصول: «الملزوم». وهو تحريف.
  3. (٣) الحارثي (ت: ٢٩١)، ظلومٌ سفَّاك للدماء، متهمٌ بالزندقة. انظر: «السير» (١٤/ ١٨).
  4. (٤) له خبرٌ في «مختصر تاريخ الدول» لابن العبري (١٣٧). وسيأتي له ذكر (ص: ١٢١٢، ١٢٣٤).
1205

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي