الدخول إلى الدِّيار المصريَّة لمَّا أمره بالغَرْب١ بدخولها بالدَّعوة، وأمَره إذا دخلها أن يبني بها مدينةً عظيمةً تكونُ٢ نجومُ طالعِها في غاية الاستقامة، وتكونُ بطالع الكوكب القاهر، وهو زُحَل أو المرِّيخ على اختلاف جَلْوِه٣.
فجمَع القائدُ جوهرُ المنجِّمين بها، وأمر كلَّ واحدٍ منهم أن يحقِّق الرَّصَدَ ويُحْكِمَه، وأمر البنَّائين أن لا يضعوا الأساسَ حتى يقال لهم: ضَعُوه، وأن يكونوا على أُهْبةٍ٤ من التيقُّظ والإسراع، حتى يوافقوا تلك الساعةَ التي اتفقت عليها أرصادُ أولئك الجماعة، فوُضِعَت الأساساتُ على ذلك في الوقت الحاضر، وسمَّوها بالقاهرة، إشارةً بزعمهم الكاذب إلى الكوكب القاهر.
واتَّفقوا كلُّهم على أنَّ الوقتَ الذي بُنِيَت فيه يقضي بدوام جَدِّهم وسعادتهم ودولتهم، وأنَّ الدعوةَ فيها لا تخرُج عن الفاطميَّة وإن تداولتها الألسنُ العربيَّة والعجميَّة.
(١) أي: بالمغرب. وكان المُعِزُّ هناك. وفي (ط): «لما أمره المعز».
(٢) مهملة في (د). (ق): «يكون»، بالياء، في الموضعين.
(٣) مهملة في الأصول. وفي (ط): «حاله». وهم يزعمون أن المريخ حارٌّ وزحل بارد، فإذا بدأ المريخ في الارتفاع انحطَّ زحل، حتى ينتهي المريخ في الارتفاع، فيجلو؛ فلذلك يشتدُّ الحر. ثم يبدأ زحل في الارتفاع والمريخ في الهبوط، حتى ينتهي زحل في الارتفاع، فيجلو؛ وذلك أول الشتاء.
فلما مَلَكَها أسدُ الدِّين شِيرَكُوه بن شاذي، ثمَّ ابنُ أخيه الملك الناصرُ صلاحُ الدين يوسفُ بن أيوب، ومع ذلك المصريُّون قائمون بدعوة العاضد عبد الله بن يوسف= توهَّم الجهَّالُ أنَّ ما قال المنجِّمون من قبلُ حقًّا؛ لتبدُّل اللسان وحالُ الدعوة مُسْتَبقى.
فلمَّا ردَّ صلاحُ الدين الدعوةَ إلى بني العباس، انكشفَ الأمر، وزال الالتباس، وظهر كذبُ المنجِّمين، والحمدُ لله ربِّ العالمين.
وكانت المدةُ بين وضع الأساس وانقراض دولة الملاحدة منها نحوًا من مئةٍ وثلاثةٍ وتسعين عامًا.
فنقَض انقطاعُ دولتهم على المنجِّمين أحكامَهم، وخَرَّبَ ديارَهم، وهتَك أستارَهم، وكشَف أسرارَهم، وأجرى الله سبحانه تكذيبَهم والطَّعنَ عليهم على لسان الخاصِّ والعامِّ، حتى اعتَذر من اعتَذر منهم بأنَّ البنَّائين كانوا قد سبقوا الرَّصَّادين إلى وضع الأساس١.
وليس هذا مِنْ بَهْتِ القوم ووقاحتِهم٢ ببعيد؛ فإنه لو كان كذلك لرأى الحاضرون تبديلَ البناء وتغييرَه، فإنهم لو دخلهم شكٌّ في تقديمٍ أو تأخيرٍ أو سَبْقٍ بما دون الدَّقيقة في التقدير لما سامَحوا بذلك، مع المقتضي التَّامِّ والطاعة الظاهرة والاحتياط الذي لا مزيدَ فوقه، وليس في تبديل حجرٍ أو تحويله برفعِه ووضعِه كبيرُ أمرٍ على البنَّائين ولا مشقَّة، وقرائنُ الأحوال في
(١) انظر: «اتعاظ الحنفا» للمقريزي (١/ ٢٤٧)، و«الخطط» (١/ ٣٧٧). وفي سياق القصة اختلاف.