بقطع سبِّهم وعقوبة من سبَّهم، وأمَر بقطع شجرة الزَّرَجُون١ من الأرض وأوجَب القتلَ على من شربَ الخمر، ثمَّ أمَر بغرس هذه الشجرة، وأباحَ شُربَ الخمر، وأهمَل الناس، حتى نُهِبَ الجانبُ الغربيُّ من القاهرة، وقُتِلَت فيه جماعة، ثمَّ ضبَط الأمرَ حتى أمَر أن لا تُغْلَق الحوانيتُ ليلًا ولا نهارًا، وأمَر مناديه ينادي: من عُدِمَ له٢ ما يساوي درهمًا أخَذ من بيت المال عنه درهمين، بعد أن يحلِفَ على ما عَدِمَه أو يعضدَه بشهادة رجلين، حتى تحيَّل الناسُ في سَتْر حوانيتهم بالجَرِيد لئلَّا تدخُلها الكلاب، ثمَّ عَمَدَ إلى كلِّ مُتَولٍّ في دولته ولايةً فعزَله، وقتَل وزيرَه الحسن بن عمَّار٣؛ كلُّ ذلك ليكون قولُ أهل التَّنجيم أنَّ دولتَه تتغيَّر واقعًا على هذا الضرب من التَّغيير.
فلمَّا كان مِنْ أمر أبي رَكْوَة ما تقدَّم ذِكرُه، ساء ظنُّه بعلم النِّجامة، فأمَر بقتل منجِّمه الفكريِّ، وأطلقَ في المنجِّمين العيبَ والذَّمَّ.
وكان قد جمَع بين المنجِّمين بالدِّيار المصريَّة، واستدعى غيرَهم، وأمَرهم أن يرصُدوا له رَصَدًا يعتمدُ عليه، فصارت الطَّوائفُ النُّجوميَّة إلى هذا الرَّصَد يتحاكمون، وإن تضمَّن بعض خلاف الرَّصَد المأمونيِّ، ووضعوا له الزِّيجَ المسمَّى بالحاكميِّ٤.
وكان هذا الفكريُّ قد أخَذ علمَ النِّجامة عمَّن أخَذه عن العاصميِّ، فسيَّر
أوقاتَ الحاكم وساعاته، ووافقه على ذلك المنجِّمون، فلما قتَله لم يَزُل أثرُ التَّنجيم عن نفسه؛ لتشوُّف النفس على التطلُّع إلى الحوادث قبل وقوعها.
وكان بعدُ يتولَّعُ١ بهذا العلم، ويجمعُ أصحابَه، فحكموا له في جملة أحكامهم بركوب الحمار على كلِّ حال، وألزموه٢ أن يتعاهدَ الجبلَ المقطَّمَ في أكثر الأيام، وينفردَ وحده بخطاب زُحَل بما علَّموه إياه من الكلام، ويتعاهَد فعلَ ما وضعوه له من البُخورات والأعزام٣، وحكموا بأنه ما دام على ذلك وهو يركبُ الحمار، فهو سالمُ النفس من كلِّ إنذار٤.
فلَزِمَ ما أشاروا به عليه، وأذِنَ الله العزيزُ العليم، ربُّ الكواكب ومسخِّرها ومدبِّرها، أنَّ هلاكَه كان في ذلك الجبل على الحمار٥، فإنه خرجَ يومًا بحماره إلى ذلك الجبل على عادته، وانفردَ بنفسه منقطعًا عن موكبه، وقد استعدَّ له قومٌ بسكاكين تقطُر منها المنايا، فقطَّعوه هنالك للوقت والحِين، ثمَّ أعدموا جثَّته، فلم يُعْلَم لها خبر؛ فمِنْ هنا يقولُ أتباعُه الملاحدة: إنه غائبٌ مُنتَظر.
وأظهرت قدرةُ الربِّ القاهر ــ تبارك اسمُه وتعالى جدُّه ــ تكذيبَ قول تلك الطائفة المُفْتَرين، ووقوعَ الأمر بضدِّ ما حكموا به، ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ
(١) (ت، ص): «يبالغ».
(٢) (ت): «وأمروه».
(٣) جمع عزيمة، الرُّقى التي يعزم بها على الجن، وهي عامية، والصواب: عزائم. وفي (ق، د، ص): «والاعتزام».
(٤) مهملة في (د). (ق): «ابدار». وفي (ط): «إيذاء». والوجه ما أثبت.