ودخَل ذلك في عقول١ الرَّعاع من الناس، فاتَّخذوا المغارات استدفاعًا لما أنذرهم به الكذَّابون من الناس، فأذِنَ الله ربُّ العالمين مسخِّرُ الرِّياح ومُدبِّر الكواكب أنه لمَّا حان٢ ذلك الوقتُ الذي حَدُّوه، والأجلُ الذي عَدُّوه؛ قلَّ هبوبُ الرِّياح عن عادتها، حتى أهَمَّ النَّاسَ ذلك، ورأوا من الكَرب بقلَّة هبوب الرِّياح ما هو خلافُ المعتاد، فظهَر كذبُهم للخاصِّ والعامِّ٣.
وكانوا قد دبَّروا في قصَّة هذه الرِّيح التي ذكروها بأنْ عَزَوْها إلى عليٍّ ﵁، وضمَّنوها جزءًا بمضمون هذه الرِّيح، وذكروا قصَّةً طويلةً في آخرها أنَّ الراوي عن علي ﵁ قال له: لقد صدَّقني المنجِّمون فيما حكيتُ عنك، وقالوا: إنه تجتمعُ الكواكبُ في برج الميزان كما اجتمعَت في برج الحُوت على عهد نوح وأحدثَت الغَرَق، فقلتُ له: يا أميرَ المؤمنين، كم تقيمُ هذه الرِّيح على وجه الأرض؟ قال: ثلاثة أيامٍ ولياليها، وتكونُ قوَّتها من نصف الليل إلى نصف النهار من اليوم الثاني.
(١) (ت): «قلوب». وصحِّحت في طرة (ق).
(٢) (ق): «كان».
(٣) انظر: «أخبار الحكماء» (٥٦٤)، و«تاريخ الإسلام» (١٢/ ٦٦٩، ٦٧١)، و«السلوك» (١/ ٢١١)، و«النجوم الزاهرة» (٦/ ١٠٢)، و«شذرات الذهب» (٦/ ٤٤٩). قال ابن تغري بردي: «وهذا الكذب متداولٌ بين القوم إلى زماننا هذا، حتَّى إنه لا يمضي شهر إلا وقد أوعدوا الناس بشيءٍ لا حقيقة له، والعجبُ أن الشخص من العامة إذا كذَب مرةً على رجلٍ يستحي ولا يعودُ إلى مثلها، وهؤلاء القوم لا عِرْض لهم ولا دين ولا مروءة».
وانظُر إلى اتفاقهم على أنَّ الكواكب إذا اجتمعَت في برج الميزان حصَل هذا الطُّوفانُ الهوائيُّ، واتفاقُهم على اجتماعها فيه في ذلك الوقت، ولم يقَع ذلك الطُّوفان!
ومِن ذلك: اتفاقُهم في الدولة الصَّلاحيَّة١ بحكم زُحَل والدالي٢، أنَّ مدينةَ الإسكندريَّة لا يموتُ فيها من الغُزِّ٣ والي، فلمَّا مات بها الملكُ المعظَّمُ شمسُ الدولة تورانشاه بن أيوب بن شاذي سنة خمس وسبعين وخمس مئة، ثمَّ واليها فخرُ الدِّين قَرَاجَا بن عبد الله سنة تسع وثمانين وخمس مئة، ثمَّ واليها سعدُ الدِّين سودكين٤ بن عبد الله سنة خمس وستِّ مئة= انخرمت هذه القاعدةُ أصلًا، وبطَل قولُهم فرعًا وأصلًا، حتى قال بعضُ شعراء ذلك العصر عند موت الأمير فخر الدِّين:
وقضى كُلُوحُ الثَّغر عند مماتهأنَّ المنجِّمَ كاذبٌ لا يَصْدُقُ
لو كان فيهِ لا يموتُ مُؤَمَّرٌأودى٥ وفخرُ الدِّين حيٌّ يُرْزَقُ
ومِن ذلك: اجتماعُهم في سنة خمس عشرة وستِّ مئة لما نزل الفِرنْجُ على دمياط، على أنهم لا بدَّ أن يغلبوا على البلاد، فيتملَّكوا ما بأرض مصر مِن رقاب العباد، وأنهم لا تدورُ عليهم الدَّائرةُ إلا إذا قام قائمُ الزَّمان٦،
(١) صلاح الدين الأيوبي.
(٢) الدَّالي: الدلو. وهو بيت زحل. انظر: «صفة جزيرة العرب» للهمداني (٤٦)، و«روح المعاني» (١٩/ ٤٠)، و«كفاية الطالب» للموسوي (١٥، ١٨).
(٣) جنسٌ من الترك. «اللسان» (غزز).
(٤) (ت) و«الفلاكة والمفلوكون» (٢٨): «بن سودكين».
(٥) أي: هَلَك المنجِّم.
(٦) وهو مهدي الشيعة. انظر: «فرج المهموم» لابن طاووس (٢٥٨).