مفتاح دار السعادة

وانظُر إلى اتفاقهم على أنَّ الكواكب إذا اجتمعَت في برج الميزان حصَل هذا الطُّوفانُ الهوائيُّ، واتفاقُهم على اجتماعها فيه في ذلك الوقت، ولم يقَع ذلك الطُّوفان!

ومِن ذلك: اتفاقُهم في الدولة الصَّلاحيَّة١ بحكم زُحَل والدالي٢، أنَّ مدينةَ الإسكندريَّة لا يموتُ فيها من الغُزِّ٣ والي، فلمَّا مات بها الملكُ المعظَّمُ شمسُ الدولة تورانشاه بن أيوب بن شاذي سنة خمس وسبعين وخمس مئة، ثمَّ واليها فخرُ الدِّين قَرَاجَا بن عبد الله سنة تسع وثمانين وخمس مئة، ثمَّ واليها سعدُ الدِّين سودكين٤ بن عبد الله سنة خمس وستِّ مئة= انخرمت هذه القاعدةُ أصلًا، وبطَل قولُهم فرعًا وأصلًا، حتى قال بعضُ شعراء ذلك العصر عند موت الأمير فخر الدِّين:

وقضى كُلُوحُ الثَّغر عند مماتهأنَّ المنجِّمَ كاذبٌ لا يَصْدُقُ
لو كان فيهِ لا يموتُ مُؤَمَّرٌأودى٥ وفخرُ الدِّين حيٌّ يُرْزَقُ

ومِن ذلك: اجتماعُهم في سنة خمس عشرة وستِّ مئة لما نزل الفِرنْجُ على دمياط، على أنهم لا بدَّ أن يغلبوا على البلاد، فيتملَّكوا ما بأرض مصر مِن رقاب العباد، وأنهم لا تدورُ عليهم الدَّائرةُ إلا إذا قام قائمُ الزَّمان٦،

  1. (١) صلاح الدين الأيوبي.
  2. (٢) الدَّالي: الدلو. وهو بيت زحل. انظر: «صفة جزيرة العرب» للهمداني (٤٦)، و«روح المعاني» (١٩/ ٤٠)، و«كفاية الطالب» للموسوي (١٥، ١٨).
  3. (٣) جنسٌ من الترك. «اللسان» (غزز).
  4. (٤) (ت) و«الفلاكة والمفلوكون» (٢٨): «بن سودكين».
  5. (٥) أي: هَلَك المنجِّم.
  6. (٦) وهو مهدي الشيعة. انظر: «فرج المهموم» لابن طاووس (٢٥٨).
1216

وظهَر براياته الخافقة ذلك الأوان؛ فكذَّبَ اللهُ ظنونَهم وأتى من لُطفِه الخفيِّ ما لم يكن في حساب، ورَدَّ الفرنجَ بعد القتل الذَّريع فيهم والأسْرِ على العِقاب١.

وكان المنجِّمون قد أجمعوا في أمر هذه الواقعة على نحو ما أجْمَعَ عليه مَنْ قبلَهم في شأن عمُّورية، واتفقَ أن كان مبدأ هذا الفتح في سابع رجب سنة ثمان عشرة وست مئة، ومبدأ ذلك الفتح في سابع رجب أيضًا سنة ثلاث وعشرين ومئتين.

قال الفاضلُ العلَّامة محمدُ بن عبد الله بن محمود الحسيني٢: ولما كذَّب اللهُ هؤلاء القوم فيما ادَّعوه نسجتُ على منوال أبي تمَّام في قصيدته البائيَّة المكسورة، فعملتُ بائيَّةً مفتوحة، وهي:

الحمدُ للهِ حمدًا يبلغُ الأربانقضي به مِن حقوقِ اللهِ ما وَجَبا
حمدًا يزيدُ إذ النُّعمى تزيدُ بهأُخراه أُولاه تُعطي ضعفَ ما وَهَبا
لا ييأسُ المرءُ مِنْ رَوْحِ الإله فكممَنْ راحَ في مُسْتهَلٍّ كان قد صَعُبا
فكم مشى بك مكروهٌ رَكَضْتَ بهمن غيرِ علمٍ إلى ما تشتهي خَبَبا

وكم تقطَّعَ دونَ المشتهى سببٌ٣... وكان منك لأعلى المنتهى سببا

لا ينبغي لك في مكروهِ حادثةٍأن تبتغي لك في غيرِ الرِّضا طلَبا
  1. (١) (ص): «الأعقاب».
  2. (٢) الفقيه المالكي، توفي بالإسكندرية سنة ٦٣١. قال المنذري: «وكان له شعرٌ حسن، وتصرُّف في التجنيس وغيره». «التكملة لوفيات النقلة» (٣/ ٣٦٧).
  3. (٣) (ت): «وكم يقع دون ما قد تشتهي سبب».
1217

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي