مفتاح دار السعادة

بكذبٍ في نفس الخبر أو زيادةٍ أو نقصان، وفي الحَمَل والبروج الصَّادقة يدلُّ على صدقٍ فيه واستواء، وفي السَّرطان والبروج المنقلبة لا يدلُّ على انقلاب الخبر إلى باطل، ولكنه قد ينقلبُ فيصيرُ أقوى مما هو عليه الآن، إلا أن ينظُر إليه نَحْسٌ فيفسده ويُبْطِله.

ثمَّ قال: واعرِف صدقَ الخبر مِنْ سهم الغيب إذا شككتَ فيه؛ فإن كان سليمًا من المرِّيخ والذَّنَب، وينظرُ إليه صاحبُه أو القمرُ أو الشَّمس نظرَ صلاحٍ، فهو حقٌّ.

هذا منتهى كلامه في الجواب، وهو كما تراه متضمِّنٌ أن عند هذه الاتصالات التي ذكرها يكونُ الخبرُ صحيحًا صدقًا وعند تلك الاتصالات الأُخَر تكون منذرةً بالكذب.

فيقالُ لهؤلاء الكذَّابين المفترين الملبِّسين: أيستحيلُ عندكم معاشرَ المنجِّمين أن يضعَ أحدُكم خبرًا كاذبًا عند تلك الاتصالات، أم ذلك واقعٌ في دائرة الإمكان١، بل هو موجودٌ في الخارج؟! وكذلك يستحيلُ أن يصدُق مُخْبِرٌ عند الاتصالات الأُخَر، أو يبعُد صدقُ العالَم عندها ويكونُ كذبُهم إذ ذاك أكثرَ منه في غير ذلك الوقت؟!

وهل في الهَوَس أبلغُ٢ من هذا؟!

ولو تتبَّعنا أحكامَهم وقضاياهم الكاذبة التي وقعَ الأمرُ بخلافها لقام منها عدَّةُ أسفار.

وأمَّا نكباتُ مَن تقيَّد بعلم أحكام النجوم في أفعاله وسفره، ودخوله

  1. (١) (ت): «في جائز الإمكان».
  2. (٢) (ت): «أكثر».
1222

البلدَ وخروجه منه، واختياره الطالعَ لعمارة الدَّار والبناء بالأهل وغير ذلك؛ فعند الخاصَّة والعامَّة منهم عِبَرٌ يكفي العاقلَ بعضُها في تكذيب هؤلاء القوم ومعرفته لافترائهم على الله تعالى وأقضيته وأقداره، بل لا يكادُ يُعْرَفُ أحدٌ تقيَّد بالنجوم في ما يأتيه ويَذَرُه إلا نُكِبَ١ أقبحَ نكبةٍ وأشنعَها؛ مقابلةً له بنقيض قصده، وموافاة النُّحوس له من حيثُ ظنَّ أنه يفوزُ بسَعْدِه.

فهذه سنةُ الله في عباده التي لا تُبدَّل، وعادتُه التي لا تُحَوَّل: أنَّ من اطمأنَّ إلى غيره، أو وَثِقَ بسواه، أو رَكَنَ إلى مخلوقٍ يدبِّره؛ أجرى اللهُ له بسببه أو من جهته خلافَ ما عَلَّق به آمالَه.

وانظُر ما كان أقوى تعلُّق بني بَرْمَك بالنُّجوم، حتى في ساعات أكلهم وركوبهم وعامَّة أفعالهم، وكيف كانت نكبتُهم الشَّنيعة٢.

وانظُر حالَ أبي علي ابن مُقلة الوزير، وتعظيمَه لعلم أحكام النجوم، ومراعاته لها أشدَّ المراعاة، ودخولَه داره التي بناها بطالعٍ زعَم الكذَّابون المفترون أنه طالعُ سعدٍ لا يرى به في الدَّار مكروهًا، فقُطِعَت يدُه، ونُكِبَ في داره أقبحَ نكبةٍ نُكِبَها وزيرٌ قبله٣.

وقتلى المنجِّمين أكثرُ من أن يحصيهم إلا الله ﷿.

الوجه التاسع عشر: أنَّ هؤلاء القوم قد أقرُّوا على أنفسهم وشهادة بعضهم على بعضٍ بفسادِ أصول هذا العلم وأساسه.

  1. (١) (د): «إلا ونكب».
  2. (٢) انظر: «التذكرة الحمدونية» (٩/ ٣٢١)، و«تاريخ الطبري» (٨/ ٢٨٧)، و«المنتظم» (٩/ ١٣٠)، و«البداية والنهاية» (١٣/ ٦٣٩).
  3. (٣) انظر: «السير» (١٥/ ٢٢٤)، و«البداية والنهاية» (١٥/ ١٢٣).
1223

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي