البلدَ وخروجه منه، واختياره الطالعَ لعمارة الدَّار والبناء بالأهل وغير ذلك؛ فعند الخاصَّة والعامَّة منهم عِبَرٌ يكفي العاقلَ بعضُها في تكذيب هؤلاء القوم ومعرفته لافترائهم على الله تعالى وأقضيته وأقداره، بل لا يكادُ يُعْرَفُ أحدٌ تقيَّد بالنجوم في ما يأتيه ويَذَرُه إلا نُكِبَ١ أقبحَ نكبةٍ وأشنعَها؛ مقابلةً له بنقيض قصده، وموافاة النُّحوس له من حيثُ ظنَّ أنه يفوزُ بسَعْدِه.
فهذه سنةُ الله في عباده التي لا تُبدَّل، وعادتُه التي لا تُحَوَّل: أنَّ من اطمأنَّ إلى غيره، أو وَثِقَ بسواه، أو رَكَنَ إلى مخلوقٍ يدبِّره؛ أجرى اللهُ له بسببه أو من جهته خلافَ ما عَلَّق به آمالَه.
وانظُر ما كان أقوى تعلُّق بني بَرْمَك بالنُّجوم، حتى في ساعات أكلهم وركوبهم وعامَّة أفعالهم، وكيف كانت نكبتُهم الشَّنيعة٢.
وانظُر حالَ أبي علي ابن مُقلة الوزير، وتعظيمَه لعلم أحكام النجوم، ومراعاته لها أشدَّ المراعاة، ودخولَه داره التي بناها بطالعٍ زعَم الكذَّابون المفترون أنه طالعُ سعدٍ لا يرى به في الدَّار مكروهًا، فقُطِعَت يدُه، ونُكِبَ في داره أقبحَ نكبةٍ نُكِبَها وزيرٌ قبله٣.
وقتلى المنجِّمين أكثرُ من أن يحصيهم إلا الله ﷿.
الوجه التاسع عشر: أنَّ هؤلاء القوم قد أقرُّوا على أنفسهم وشهادة بعضهم على بعضٍ بفسادِ أصول هذا العلم وأساسه.
فقد كان أوائلُهم من الأقدمين وكبارُ رُصَّادهم من عهد بَطْليموس وطيموخارس ومانالاوس قد حكموا في الكواكب الثابتة بمقدار، واتفقوا أنه صحيحُ الاعتبار، وأقام الأمرُ على ذلك فوق سبع مئة عام، والناسُ ليس بأيديهم سوى تقليدهم، حتى كان في عهد المأمون، فاتفق مِنْ رُصَّادهم وحُكَّامهم علماءُ الفريقين، مثلُ خالد بن عبد الملك المروزي١، وحبَش٢ صاحب الزِّيج المأمونيِّ، ومحمد بن الجهم٣، ويحيى بن أبي منصور٤ = على أنهم امتحنوا رصدَ الأوائل فوجدوهم غالطين فيما رصدُوه، فرصدوا هم رصدًا لأنفسهم، وحرَّروه، وسمَّوه: الرَّصَدَ المُمْتَحَن، وجعلوه مبدأً ثانيًا بعد ذلك الزمن.
وكان لأوائلهم إجماعٌ على صحَّة رصدِهم، ولهؤلاء إجماعٌ على خطئهم فيه؛ فتضمَّن ذلك شهادة الأواخر على الأوائل أنهم كانوا غالطين، وإقرار الأواخر على أنفسهم أنهم كانوا بالعمل به مخطئين.
ثمَّ حدَثت طائفةٌ أخرى، منهم كبيرُهم وزعيمُهم أبو معشر محمد بن جعفر٥، وكان بعد أصحاب الرَّصَدِ المُمْتَحَن بنحوٍ من ستين عامًا، فردَّ
(١) انظر: «طبقات الأمم» لصاعد (٥٠، ٥٦)، و«مروج الذهب» (١/ ١٠٠)، و«أخبار الحكماء» (٣٠١، ٣٢٦). ونسبته في بعضها: المروروذي. نسبة إلى مرو الروذ، وتعرف بمرو الصغرى. والمروزي نسبة إلى مرو. وهي من مدن خراسان.
(٢) في الأصول: «حسن». وهو تحريف. انظر: «الفهرست» (٣٣٤)، و«طبقات الأمم» (٥٤)، و«أخبار الحكماء» (٢٢٣)، و«كشف الظنون» (٢/ ٩٦٨).
(٥) كذا في الأصول. والصواب: جعفر بن محمد. كان في أوَّل أمره من أهل الحديث، ثمَّ دخل في علم أحكام النجوم، وصار من الصابئين، وعبَد القمرَ مدَّةً كما أخبر عن نفسه (ت: ٢٧٢). انظر: «الفهرست» (٣٣٥)، «طبقات الأمم» (٥٧)، و«أخبار الحكماء» (٢٠١)، و«السير» (١٣/ ١٦١)، و«نقض التأسيس» لابن تيمية (١/ ١٢٣، ٤٤٧).