عليهم، وبيَّن خطأهم، كما ذكر أبو سعيد شاذان بن بحر المنجِّم في كتاب «أسرار النجوم»١، قال: قال أبو معشر: أخبرني محمد بن موسى المنجِّم الجليس٢ ــ وليس بالخوارزمي ــ قال: حدَّثني يحيى بن أبي منصور، أو قال: حدَّثني محمد بن محمد الجليس قال: دخلتُ على المأمون وعنده جماعةُ المنجِّمين، وعنده رجلٌ قد تنبَّأ، وقد دعا القضاةَ والفقهاء ولم يحضروا بعد، ونحن لا نعلم، فقال لي ولمن حضرَ من المنجِّمين: اذهبوا فخذوا الطالعَ لدعوى رجلٍ في شيءٍ يدَّعيه، وعرِّفوني بما يدلُّ عليه الفلكُ مِنْ صِدْقِه وكذبِه، ولم يُعْلِمنا المأمونُ أنه متنبِّاء، فجئنا إلى ناحيةٍ من القصر، وأحكمْنا أمرَ الطالع، وصوَّرناه، فوقع٣ الشَّمس والقمرُ في دقيقةٍ [واحدة، وسهمُ السعادة وسهمُ الغيب في دقيقةٍ واحدةٍ مع دقيقة]٤
الطالع، والطالعُ الجَدي، والمشتري في السنبلة ينظرُ إليه، والزُّهَرة وعطاردُ في العقرب ينظران إليه، فقال كلُّ من حضر من المنجِّمين: هذا الرجلُ صحيحٌ
(١) هو كتاب «المذاكرات» (ق: ٢/ب - نسخة كيمبردج). انظر حاشية «البصائر والذخائر» (٣/ ٦٤).
(٢) مهملة في (د). وفي (ق): «الحليس». وهو تحريف. انظر: «أخبار الحكماء» (٣٩٠، ٤٨٤) والمصادر التالية.
(٣) «مختصر تاريخ الدول» لابن العبري (١٣٧)، و«أخبار الحكماء» (٤٨٥): «فصورنا موضع». وفي «سرور النفس» للتيفاشي (١٩٤): «وأحكمنا موقع».
(٤) من «البصائر والذخائر» (٣/ ٦٥)، و«مختصر تاريخ الدول»، و«أخبار الحكماء». وكأنه سقط لانتقال النظر ..
ما يدَّعيه لا كذبَ فيه. قال يحيى: وأنا ساكت، فقال لي المأمون: قُل. فقلت: هو في طلب تصحيحه، وله حجةٌ زُهَريَّة وعُطارديَّة، وتصحيحُ ما يدَّعيه لا يتمُّ له. فقال: من أين قلتَ؟ فقلت: لأنَّ صحةَ الدعاوى من المشتري، [ومن تثليث الشمس وتسديسها إذا كانت الشمس غير منحوسة، وهذا الطالع يخالفه؛ لأنه هبوط المشتري]١، وهو ينظرُ إليه نظرَ٢ موافقة، إلا أنه كارهٌ لهذا البرج، فلا يتمُّ له التصديقُ ولا التصحيح، والذي قاله٣ إنما هو مِنْ حجةٍ عُطارديَّة وزُهَريَّة، وذلك يكونُ من جنس التَّحسين والتَّزويق والخِداع عن غير حقيقة. فقال: لله درُّك. ثمَّ قال: تدرون ما يدَّعي هذا الرجل؟ قلنا: لا. قال: هذا يدَّعي النبوة. فقلت: يا أمير المؤمنين، ومعه شيءٌ يحتجُّ به؟ فسأله، فقال: نعم؛ معي خاتمٌ ذو فصَّين، ألبسُه فلا يتغيَّر منِّي شيء، ويلبسه غيري فلا يتمالكُ من الضَّحك حتى ينزعَه، ومعي قلمٌ شاميٌّ أكتبُ به، ويأخذُه غيري فلا تنطلقُ أصبعُه. فقلت: يا سيدي، هذا عُطاردُ والزُّهَرةُ قد عَمِلا عملَهما. فأمَره المأمونُ فأظهَر ما ادَّعاه منهما، وكان ذلك ضربٌ من الطِّلَّسْمات٤،
فما زال به المأمونُ أيامًا كثيرةً حتى أقرَّ وتبرَّأ من دعوى النُّبوة، ووَصَف الحيلةَ
(١) من «مختصر تاريخ الدول» (١٣٧)، و«أخبار الحكماء» (٤٨٥)، و«فرج المهموم» (٦٦)، وكأنها سقطت لانتقال النظر أيضًا.
(٢) في الأصول: «زحل». وهو تحريف. والتصويب من المصادر السابقة.
(٤) جمع طلَّسم، من السِّحر، خطوطٌ وأعدادٌ يزعم كاتبها أنه يربط بها روحانيات الكواكب العلوية بالطبائع السفلية، لجلب محبوبٍ أو دفع أذى. انظر: «المعجم الوسيط»، و«أبجد العلوم» (٢/ ٣٢٧) ..