ما يدَّعيه لا كذبَ فيه. قال يحيى: وأنا ساكت، فقال لي المأمون: قُل. فقلت: هو في طلب تصحيحه، وله حجةٌ زُهَريَّة وعُطارديَّة، وتصحيحُ ما يدَّعيه لا يتمُّ له. فقال: من أين قلتَ؟ فقلت: لأنَّ صحةَ الدعاوى من المشتري، [ومن تثليث الشمس وتسديسها إذا كانت الشمس غير منحوسة، وهذا الطالع يخالفه؛ لأنه هبوط المشتري]١، وهو ينظرُ إليه نظرَ٢ موافقة، إلا أنه كارهٌ لهذا البرج، فلا يتمُّ له التصديقُ ولا التصحيح، والذي قاله٣ إنما هو مِنْ حجةٍ عُطارديَّة وزُهَريَّة، وذلك يكونُ من جنس التَّحسين والتَّزويق والخِداع عن غير حقيقة. فقال: لله درُّك. ثمَّ قال: تدرون ما يدَّعي هذا الرجل؟ قلنا: لا. قال: هذا يدَّعي النبوة. فقلت: يا أمير المؤمنين، ومعه شيءٌ يحتجُّ به؟ فسأله، فقال: نعم؛ معي خاتمٌ ذو فصَّين، ألبسُه فلا يتغيَّر منِّي شيء، ويلبسه غيري فلا يتمالكُ من الضَّحك حتى ينزعَه، ومعي قلمٌ شاميٌّ أكتبُ به، ويأخذُه غيري فلا تنطلقُ أصبعُه. فقلت: يا سيدي، هذا عُطاردُ والزُّهَرةُ قد عَمِلا عملَهما. فأمَره المأمونُ فأظهَر ما ادَّعاه منهما، وكان ذلك ضربٌ من الطِّلَّسْمات٤،
فما زال به المأمونُ أيامًا كثيرةً حتى أقرَّ وتبرَّأ من دعوى النُّبوة، ووَصَف الحيلةَ
(١) من «مختصر تاريخ الدول» (١٣٧)، و«أخبار الحكماء» (٤٨٥)، و«فرج المهموم» (٦٦)، وكأنها سقطت لانتقال النظر أيضًا.
(٢) في الأصول: «زحل». وهو تحريف. والتصويب من المصادر السابقة.
(٤) جمع طلَّسم، من السِّحر، خطوطٌ وأعدادٌ يزعم كاتبها أنه يربط بها روحانيات الكواكب العلوية بالطبائع السفلية، لجلب محبوبٍ أو دفع أذى. انظر: «المعجم الوسيط»، و«أبجد العلوم» (٢/ ٣٢٧) ..
التي احتالها في الخاتم والقلم، فوَهَبَ له المأمونُ ألفَ دينارٍ وصَرَفَه، فلقيناه بعد ذلك فإذا هو أعلمُ النَّاس بعلم النجوم، ومِنْ أكبر أصحاب عبد الله القشيري١، وهو الذي عَمِلَ طِلَّسْمَ الخنافس في دُور بغداد٢.
قال أبو معشر: لو كنتُ في القوم لذكرتُ أشياءَ خَفِيَت عليهم؛ كنتُ أقول: الدعوى باطلةٌ من أصلها، لأنَّ البرجَ منقلبٌ وهو الجَدي، والمشتري في الوبال، والقمرُ في المَحاق، والكوكبان الناظران إلى الطالع في برجٍ كذَّابٍ وهو العقرب.
فتأمَّلْ كيف اختلفَت أحوالُهم وأحكامُهم مع اتحاد الطالع، وكلٌّ منهم يُمْكِنُه تصحيحُ حُكمه بشبهةٍ من جنس شبهة الآخر، فلو اتفق أن ادعى رجلٌ صادقٌ في ذلك الوقت والطالع دعوى، ألم يكن ادعاؤه ممكنًا غير مستحيل، ودعواه صحيحةً في نفسها؟ أم تقولون: إنه لا يمكنُ أن يدَّعي أحدٌ في ذلك الوقت والطالع دعوى صحيحةً البتة؟! ومن المعلوم لجميع العقلاء أنه يمكنُ إذ ذاك [وقوعُ]٣ دعويَيْن مِنْ رجلٍ مُحِقٍّ ومُبْطِلٍ بذلك الطالع بعينه.
فما أسخفَ عقلَ من ارتبط بهذا الهذَيان، وبنى عليه جميعَ حوادث الزمان! وليس بيد القوم إلا ما اعترفَ به فاضلُهم وزعيمُهم أبو معشر.
قال شاذان في الكتاب المذكور أيضًا: قلتُ لأبي معشر: الذَّنَبُ باردٌ يابس، فلم قلتم: إنه يدلُّ على التأنيث؟ فقال: هكذا قالوا!. قلت: فقد قالوا:
(١) في «أخبار الحكماء» و«سرور النفس»: عبد الله ابن السري.