إنه ليس بصادقٍ في اليُبس، لكنه باردٌ عفنٌ ملتوي١، فقال: كلُّ الأعراض الغائبة توهُّم، لا يكونُ شيءٌ منها يقينًا، وإنما يكونُ توهُّمٌ أقوى من توهُّم.
ومن تأمَّل أحوالَ القوم علمَ أنَّ ما معهم زَرْقٌ٢ وتفرُّسٌ يصيبون معها ويخطئون٣.
قال شاذان في كتابه المذكور: كان الداري٤ الثنويُّ٥ الذي بالهند يُكاتِبُ أبا معشر ويُهادِيه، فأنفَذ لأبي معشر مولدًا لابن مالكِ سرنديب، طالعُه الجوزاء، والشَّمس والقمر في الجَدي، والقمرُ خارجٌ عن الشُّعاع، وعُطارد في الدَّلو، والمشتري في الحَمَل، وزُحَل في السَّرطان راجعٌ في بُحْران الرجوع، فحكمَ له أبو معشر بأنه يعيشُ دورَ زُحَل الأوسط، فقلت: سبحان الله! زُحَل٦ راجعٌ في بُحْران الرجوع، في بيتٍ٧ ساقطٍ عن الأوتاد، لا يعطيه إلا دوره الأصغر، ويحتاجُ أن يسقط منه الخمسين! وجعلتُ أُنكِرُ عليه ذلك وأخوِّفه أن تسقط منزلتُه عند أهل تلك البلاد، إلى
(١) (ط): «لكنه بارد فنظر لي».
(٢) أي: حِيَلٌ وخِدَاع. رجلٌ زرَّاق: خدَّاع. والزرَّاق - بلغة الساسانيين -: الذي يقعد على الطريق فيحتال وينظر بزعمه في النجوم. انظر: «الأنساب» للسمعاني (٦/ ٢٦٧)، و«اللسان» «زرق»، و«قصد السبيل» (٢/ ٨٤)، و«تكملة المعاجم» لدوزي (٥/ ٣١١).
(٣) انظر: «نشوار المحاضرة» (٢/ ٣٢٤).
(٤) كذا في الأصول. لعله نسبة إلى: دار، قرية على خمسة فراسخ من هراة. انظر: «الأنساب» (٥/ ٢٥٢). وفي (ط): «الرازي».
(٥) (ق، د): «المثنوي». وهي مهملة في (ت).
(٦) في الأصول: «جاه». وفي (ط): «جاءه». وهو تحريف.
(٧) (ت): «فحكم له أبو معشر في بيت».
أن ذكَر محاورةً طويلةً انتهت بهما إلى أنَّ أبا معشرٍ أخَذ ذلك من عادات أهل الهند في طول الأعمار.
وقال له شاذان في مسألةٍ سئل عنها: ما أنتم إلا زَرَّاقين!
ثمَّ حدثت بعد هؤلاء جماعة، منهم: أبو الحسين عبد الرحمن بن عمر بن عبدٍ١، المعروفُ بالصُّوفيِّ، وكان بعد أبي معشر بنحوٍ من سبعين عامًا، فذكَر أنه قد عَثَرَ مِنْ غلط الأواخر بعد الأوائل على أشياء كثيرة، وصنَّف كتابًا في معرفة الثوابت، وحمله إلى عضد الدولة بن بُوَيه، فاستحسنه، وأجزلَ ثوابَه، وبيَّن في هذا الكتاب من أغاليط أتباع الرَّصَد الثاني أمورًا كثيرة لعُطارد المنجِّم، ومحمد بن جابر البتَّاني، وعلي بن عيسى الحرَّاني.
فقال في مقدمة كتابه: «ولمَّا رأيتُ هؤلاء القوم مع ذِكْرهم في الآفاق وتقدُّمهم في الصِّناعة، واقتداء الناس بهم، واشتغالهم بمؤلفاتهم٢، قد تبعَ كلُّ واحدٍ منهم مَن تقدَّمه مِنْ غير تأمُّلٍ لخطئه وصوابه بالعيان والنظر، وأوهموا الناسَ الرَّصد، حتى ظنَّ كلُّ من نظر في مؤلَّفاتهم أن ذلك عن معرفةٍ بالكواكب ومواضعها».
إلى أن قال: «ومُعَوَّلُهم على كُراتٍ٣ مُصَوَّرةٍ مِنْ عمل من لا يعرفُ٤
(١) كذا في الأصول. والضبط من (د). وفي «أخبار الحكماء» (٣٠٩): عبد الرحمن بن عمر بن محمد بن سهل. توفي سنة ٣٧٥.