ثمَّ حدثت جماعةٌ أخرى، منهم: الكوشْيار بن باشهري١ الديلمي، ومن تواليفه: «الزِّيج الجامع»٢، و«المجمل في الأحكام»٣، وهو عندهم نهايةٌ في الفنِّ، وكان بعد الصُّوفي بنحو ثلاثين عامًا.
وذكر في مقدمة كتابه «المجمل»: «إني جمعتُ في هذا الكتاب من أصول صناعة النجوم٤، والطريق إلى التصرُّف فيها٥، ما ظننتُه كافيًا في معناه، مغنيًا٦ في أكثر الأمر عمَّا سواه، فأخذتُ فيه٧ أقربَ طريقٍ
(١) مهملة في (د). وفي (ق، ت): «ياسر بن». تحريف. وهو أبو الحسن كوشيار بن لبان الجِيلي (ت: ٣٥٠)، وقيل: بل كان حيًّا سنة ٤٥٩، وما ذكره المصنف يشهد للأول. انظر: «تاريخ حكماء الإسلام» (٩١)، و«أخبار الحكماء» (١٣٠)، و«كشف الظنون» (٢/ ٩٧١، ١٤٥٣، ١٦٠٤، ١٦٤٣)، و«هدية العارفين» (١/ ٤٤٥)، و«الأعلام» (٥/ ٢٣٦). ووقع في مواضع من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية: كوشيار الديلمي. انظر: «الرد على المنطقيين» (٢٦٥)، و«مجموع الفتاوى» (٩/ ٢١٦، ٢٥/ ١٨٤، ٢٠٧). والجيلي: نسبة إلى جيل، بلاد متفرقة وراء طبرستان. وتلك بلاد الديلم. وخلط في «الذريعة» (١١/ ٧٢) بينه وبين أبي علي كوشيار بن لياليروز الجيلي، المحدِّث، المترجم في «الأنساب» (٣/ ٤١٤) و«تاريخ بغداد» (١٢/ ٤٩٢) وغيرهما.
(٢) في الأصول: «الزيجات والجامع». وهو خطأ.
(٣) انظر: «كشف الظنون» (٢/ ٩٦٨)، و«تاريخ الأدب العربي» (٤/ ٢١٥)، و«استدراكات على تاريخ التراث العربي» (٨/ ١٣٠).
(٤) «المجمل» (ق: ١/ب): «صناعة الأحكام وجُمَلها».
(٥) «المجمل»: «التصرف فيها واستعمالها».
(٦) «المجمل»: «مستغنيا».
(٧) في الأصول: «مغنيا عما سواه وأكثر الأمر فيما اخذ به». والمثبت من «المجمل»، وبه يستقيم الكلام. ولعل المصنف استدرك قوله: «أكثر الأمر» في الطرة، فلم يفطن الناسخ إلى موضعها الصحيح في المتن.
عرفته١ إلى القياس، وأوضحَ سبيلٍ سلكته٢ إلى الصواب؛ إذ هي صناعةٌ غيرُ مُبَرْهَنة، وللخواطر والظُّنون [فيها] مجال، بلا نهاية٣ صوابٍ ومحال».
إلى أن ذكَر علمَ الأحكام، فقال فيه٤: «ولا سبيل للبرهان عليه، ولا هو مُدْرَكٌ بكلِّيته، نَعَم ولا بأكثره؛ لأنَّ الشيء الذي يُسْتَعملُ فيه هذا العلم فأشخاصُ الناس٥، وجميعُ مادون الفلَك القمريِّ مطبوعٌ على الانتقال والتغيُّر، ولا يثبتُ على حالٍ واحدةٍ في أكثر الأمر، ولا الإنسانُ بكامل٦
(١) (د): «عزوته». ومهملة في (ق). (ت): «عزوابه». والمثبت من «المجمل».
(٢) «المجمل»: «مسلك علمته».
(٣) «المجمل»: «وكلام الحشوية فيها بلا نهاية». وفي طرة النسخة: «الحشوية من أهل الأحكام، وهم الذين يحكمون في الصناعة أحكامًا خارجة عن القياس». وأظن المصنف حذفها عمدًا، استثقالًا للفظة «الحشوية».
(٤) لا بأس أن أنقل ما أغفله المصنف، لتكتمل الفكرة، قال في «المجمل»: «السبيل إلى علم أحكام النجوم بشيئين: أحدهما، وهو الأقدم: علم أفلاك الكواكب وحركاتها وحساب تقاويمها وأحوالها، وهو علمٌ أُدرِك بالآلات والرصد، وعليه براهين هندسية، ومن تفرَّد به كان عالمًا بأشرف العلوم وأصدقها (وفي نسخة: وأدقها) بعد العلوم الدينية، وقد تقدم لنا في ذلك كتابان سميناهما: الزيج الجامع، وكتاب البالغ. والثاني: علم الأفعال الصادرة عن الكواكب وقواها وتأثيراتها فيما دون فلك القمر. وهو علمٌ يدرَك بالتجربة والقياس، ومضطرٌّ إلى العلم الأول، ولا سبيل للبرهان إليه ...».
(٥) «المجمل»: «هذا العلم أعني الهيئات (كذا قرأتها، ولم تحرر في النسخة) والأشخاص الإنسان».
(٦) (ق، ت): «للانسان بكامل». (د): «للانسان تكامل». والمثبت من «المجمل»، وليس في النسخة كلمة «القوة».