مفتاح دار السعادة

القوَّة في الحَدْس بخواصِّ الأحوال١ التي تكونُ من امتزاجات الكواكب؛ فبلغَ من الصُّعوبة وتعسُّر الوقوف عليه إلى أن دَفَعَه بعض الناس، وظنُّوا أنه شيءٌ لا يُدْرِكه أحدٌ البتة، وأكثرُ المتفرِّدين٢

بالعلم الأول ــ يعني علمَ الهيئة ــ ينكرونَ هذا العلم، ويجحدون منفعتَه، ويقولون: هو شيءٌ يقعُ بالاتفاق، وليس عليه برهان»٣.

إلى أن قال: «ومن المتفرِّدين بالعلم الثاني ــ يعني علمَ الأحكام ــ من يأتي على جزئيَّاته٤ بحُجَجٍ على سبيل النظر والجدل، ويظُنُّ٥ أنها برهانٌ؛ لجهله بطريق البرهان وطبيعته».

فحصَل من كلام هذا تجهيلُ أصحاب الأحكام٦، كما حصَل من كلام الصُّوفي تكذيبُ أصحاب الأرصاد، وهذان الرجلان من عظمائهم وزعمائهم.

  1. (١) (ت): «الأفعال».
  2. (٢) في الأصول: «المنفردين»، في الموضعين. تحريف. والمثبت من «المجمل» ..
  3. (٣) ثم أجاب عن ذلك بقوله: «فنقول: أما الاتفاق فإذا دام أو وقع في أكثر الأحوال فهو أحد البراهين، وأما البرهان فليس كل ما لا يكون عليه برهانٌ يُهجَر فيترَك الانتفاع به، فليس من الحكم بل ليس من العقل أن يترك الانتفاع بالسكنجبين في تسكين الصفراء حتى يقوم البرهان على فعله! لكن يستعمَل وينتفَع به ويقتصَر من برهانه على ما ترى من فعله دائمًا أو في الأكثر». وهو جوابٌ عليل، وفيه مصادرةٌ على المطلوب، فإن اتفاق إصابة أحكام النجوم لم يدم ولم يكثر!
  4. (٤) (د): «جزوياته».
  5. (٥) (د): «يظن». (ق، ت): «فظن». والمثبت من «المجمل».
  6. (٦) وإن كان رأيه أن هذا علمٌ يدرَك بالتجربة والقياس، وما اتفقت عليه الأمم منه ليس لنا أن نرى رأيا بخلافه، وما اختلفت فيه اتبعنا الأقرب للقياس، أما اختلاف الآحاد فلا يلتفت إليه، وكتابه «المجمل» هو في تقرير هذا العلم وتفصيل أبوابه ومسائله.
1233

ثمَّ حدثت جماعةٌ أخرى، منهم المنجِّم المعروفُ بالفكريِّ١ منجِّم الحاكم بالدِّيار المصرية، وكان قد انتهت إليه رياسةُ هذا العلم، وكان قد قرأ على من قرأ على العاصميِّ، فوضعَ هو وأصحابُه رصَدًا آخر، وهو الرَّصدُ الحاكمي، وخالف فيه أصحابَ الرَّصَد المُمْتَحَن في أشياء، وعلى ذلك التفاوت بنَوا الزِّيجَ الحاكمي.

وكان الحاكمُ قد أراد أن يحذُو على فعل المأمون، فأمر أن يجتمع عنده من أهل عصره٢ المنجِّمون ورئيسُهم الفكري، فوضعوا الزِّيجَ الحاكمي، وخالفوا أصحابَ الرَّصَد المأموني، ومالوا بأتباعهم٣ إلى الرَّصَد الحاكمي.

ولو اتفق بعد ذلك رَصَدٌ آخر لسلكَ أصحابُه في خلاف من تقدَّمهم مسلك أوائلهم.

هذا ومستندُهم ومعوَّلهم الحِسُّ والحساب، وهما لا يقبلان التَّغليط، فما الظنُّ بما يدَّعونه من علم الأحكام، الذي مبناه على هواجِس الظُّنون وخيالات الأوهام؟!

ثمَّ حدثت جماعةٌ أخرى، منهم: أبو الرَّيحان البِيرُوني، مؤلِّف كتاب «التفهيم إلى صناعة التنجيم»، جمَع فيه بين الهندسة والحساب والهيئة والأحكام، وكان بعد كوشيار بنحوٍ من أربعين سنة٤، فخالفَ من تقدَّمه

  1. (١) راجع ما تقدم تعليقًا (ص: ١٢٠٩).
  2. (٢) غير محرَّرة في (د، ق). ويمكن أن تقرأ: عهده. وسقط من (ت) من قوله: «وكان الحاكم» إلى: «فوضعوا الزيج الحاكمي».
  3. (٣) في الأصول: «أتباعهم»، ويصح لغةً، لكن المثبت أشبه.
  4. (٤) (ت: ٤٤٠). انظر: «إرشاد الأريب» (٢٣٣٠)، و«الأعلام» (٥/ ٣١٤).
1234

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي