وأراه بطلانَ ما عليه هؤلاء الضلَّال الجهَّال، كتبها نصيحةً لبعض إخوانه، فأحببتُ أن أوردها بلفظها، وإن تضمَّنت بعض الطُّول والتكرار١، وأتعقَّب بعض كلامه بتقرير ما يحتاجُ إلى تقرير، وبسؤالٍ يُورَدُ عليه ويُطْعَنُ به على كلامه، ثمَّ بالجواب عنه؛ ليكون قوَّةً للمسترشد، وبيانًا للمتحيِّر، وتبصرةً للمهتدي، ونصيحةً لإخواني المسلمين٢.
وهذا أوَّلها٣:
«بسم الله الرَّحمن الرَّحيم
عصمَك الله من قبول المُحالات، واعتقاد ما لم تَقُم عليه الدلالات، وضاعَف لك الحسنات، وكفاك المهمَّات بمنِّه ورحمته٤.
كنتَ ــ أدام الله توفيقَك وتسديدك ــ ذكرتَ لي اهتمامَك بما قد لهجَ به وجوهُ أهل زماننا من النظر في أحكام النجوم، وتصديق كلِّ ما يأتي به من ادعى أنه عارفٌ بها مِن علم الغيب الذي تفرَّد الله ﷾ به، ولم يجعله لأحدٍ من الأنبياء والمرسلين، ولا ملائكته المقربين، ولا عباده الصَّالحين، مِن معرفة طويل الأعمار وقصيرها، وحميد العواقب وذميمها،
(١) وقد أحسن المصنف بذلك، فإن في إدراج مثل هذه المصنفات اللِّطاف في مثاني الكتب حفظًا لها، فمثلها يخشى عليه الضياع إذا تمادى الزمان، لا سيما ما يغيظ أهل الباطل، فإنهم يبادرون إلى إعمال الحيلة في إعدامه، كما يقول السبكي في «طبقات الشافعية» (٣/ ٣٩٩).
(٢) اخترتُ تحبير نصِّ الرِّسالة، ليتميَّز عن تعليقات المصنف، وليسهل تتبعه لمن رام قراءته على الوجه.
(٣) [لأبي الصقر عبد العزيز بن عثمان القبيصي نقضٌ على هذه الرسالة. انظر: "تتمة صوان الحكمة" للبيهقي (٩٢)]
(٤) (ت): «بمنه وكرمه».
وسائر ما يتجدَّدُ ويحدثُ ويُتَخوَّفُ ويُتمَنَّى.
وسألتني أن أعملَ كتابًا أذكرُ فيه بعضَ ما وقع إليَّ من اختلافهم في أصول الأحكام الدَّالة على وهمهم وقُبح اعتقادهم، وما يُستَدلُّ به من طريق النظر والقياس على ضعف مذهبهم، وألخِّصُ ذلك وأختصرُه وأقرِّبه بحسب الوُسع والطاقة، فوعدتُك بذلك، وقد ضمَّنتُه كتابي هذا، واللهَ أسألُ عونًا على ما قرَّبَ منه١، وتوفيقًا لما أزلَفَ لديه، إنه قريبٌ مجيب فعَّالٌ لما يريد.
لستُ مستعملًا للتَّحامل على من أثبتَ تأثيرَ الكواكب في هذا العالم وتَركِ إنصافهم، كما فعل قومٌ ردُّوا عليهم، فإنهم دفعوهم عن أن يكون لها تأثيرٌ البتَّة غيرَ وجود الضِّياء في المواضع التي تطلعُ عليها الشَّمس والقمر، وعدمِه فيما غابا عنه، وما جرى هذا المجرى.
بل أسلِّمُ لهم أنها تؤثِّر تأثيرًا ما يجري على الأمر الطبيعي:
مثل: أن يكون البلدُ القليلُ العَرْض مزاجُه يميلُ عن الاعتدال إلى الحرِّ واليُبس، وكذلك مِزاجُ أهله، وأجسامُهم ضعيفة، وألوانُهم سودٌ وصُفر، كالنُّوبة والحبشة، وأن يكون البلدُ الكثيرُ العَرْض مزاجُه يميلُ عن الاعتدال إلى البرد والرطوبة٢، وكذلك مزاجُ أهله، وأجسامُهم عَبْلة٣، وألوانهم بيضٌ وشُعورُهم شُقر، مثلُ التُّرك والصَّقالبة.
ومثل: أن يكون النباتُ يَنْمِي ويقوى ويشتدُّ ويتكاملُ وينضجُ ثمرُه
(١) في الأصول: «قررت منه». والمثبت من (ط) أشبه.
(٢) من قوله: «وكذلك مزاج أهله» إلى هنا ساقط من (ت).