مفتاح دار السعادة

تَدُلَّ على تقلُّد رجلٍ بعينه المُلك، وتقلُّد آخرَ بعينه الوزارة، وطول مدَّة كلِّ واحدٍ منهما في الولاية وقِصَرها، وما فعله الإنسانُ وما يفعلُه في منزله، وما يُضمِرُه في قلبه، وما هو متوجِّهٌ فيه من حاجاته، وما هو في بطن الحامل، والسَّارق ومن هو، والمسروق وما هو، وأين هو، وكميَّته، وكيفيَّته، وما يجبُ بالكسوف، وما يحدثُ معه، والمختار من الأعمال في كلِّ يومٍ بحسب اتصال القمر بالكواكب؛ مِن أن يكون هذا اليومُ صالحًا للقاء الملوك والرؤساء وأصحاب السُّيوف، وهذا اليومُ محمودًا للقاء الكتَّاب والوزراء، وهذا اليومُ محمودًا للقاء القضاة، وهذا اليومُ محمودًا لأمور النساء، وهذا اليومُ محمودًا لشرب الدواء والفَصْد والحجامة، وهذا اليومُ محمودًا للعب الشِّطرنج والنَّرد، وغير ذلك= فمحالٌ أن يكون معلومًا من طريق الحسِّ.

وليس عليه نصٌّ من كتاب الله، بل قد نصَّ الله سبحانه فيه على بطلانه بقوله ﵎: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]، ولا في سنة رسول الله ﷺ، بل قد جاء عنه ﷺ أنه قال: «من أتى عرَّافًا أو كاهنًا أو منجِّمًا فصدَّقه بما يقولُ فقد كفر بما أُنزِل على محمد»١.

  1. (١) أخرجه الحاكم (١/ ٨)، ومن طريقه البيهقي في «الكبرى» (٨/ ١٣٥) من حديث أبي هريرة، دون قوله: «أو منجمًا». وصححه الحاكم، ولم يتعقبه الذهبي، وصححه في تهذيبه لسنن البيهقي (٦/ ٣٢٢٩).
    وروي من وجهين آخرين مرسلًا ومنقطعًا، وله شواهد من رواية جماعة من الصحابة ابن مسعود، وجابر، وعلي، وعمران بن حصين، وواثلة بن الأسقع.
    ولم أجد لفظة: «أو منجمًا» في شيءٍ من كتب الحديث المسندة، وهي داخلةٌ في معنى الكهانة والعرافة. انظر: «شرح السنة» (١٢/ ١٨٢)، و«إكمال المعلم» (٧/ ١٥٣)، و«مجموع الفتاوى» (٣٥/ ١٧٣).
1241

ولا هاهنا ضرورةٌ تدعو إلى القول به.

ولا هو أوَّلٌ في العقول١.

ولا يأتون عليه ببرهانٍ ولا دليلٍ مقنع.

وهذه هي الطُّرقُ التي تثبتُ بها الموجودات، ويُعْلَمُ بها حقائقُ الأشياء، لا طريقَ هاهنا غيرها، ولا شيءَ لأحكام النجوم منها.

وأنا أبتداءُ الآن بوصف جملةٍ من اختلافهم في الأصول التي يبنونَ عليها أمرَهم، ويفرِّعون عنها أحكامَهم٢، وأذكرُ المستبشَع من أقاويلهم وقضاياهم وظاهر مناقضاتهم، ثمَّ آتي بطرفٍ من احتجاجهم والاحتجاج عليهم، والله الموفِّق للصواب بفضله.

ذِكرُ اختلافهم في الأصول

زعموا جميعًا: أنَّ الخيرَ والشرَّ والإعطاء والمنعَ وما أشبه ذلك يكونُ في العالَم بالكواكب، وبحسب السُّعود منها والنُّحوس، وعلى حسب كونها في البروج الموافقة والمنافرة لها، وعلى حسب نظرها بعضِها إلى بعض من التسديس والتربيع والتثليث والمقابلة، وعلى حسب مُجَاسدة٣ بعضها بعضًا٤، وعلى حسب كونها في شَرفها وهبوطه ووَبالها.

  1. (١) وهو ما لا يفتقر بعد توجُّه العقل إليه إلى حدسٍ أو تجربة، كقولنا: الواحد نصف الاثنين. «التعريفات» (٥٨).
  2. (٢) (ت): «وينزعون بها أحكامهم».
  3. (٣) (ق): «محاشدة». تحريف. انظر: «الزيج الصابي» للبتاني (١٩٤، ١٩٦)، و«رسائل إخوان الصفا» (٤/ ٣٣٥).
  4. (٤) قوله: «وعلى حسب مجاسدة بعضها بعضًا» ليس في (ت).
1242

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي