وكأنه لا خلافَ بين الطائفتين؛ فإنَّ الذين قالوا: «فعلُها في النفوس» لا يُضِيفون انفعالَ الأبدان إلى غيرها بذاتها، بل إليها بوسائط١.
قال: «واختلفَ رؤساؤهم بَطْليموس ودورسوس٢ وأنطيقوس٣ ورِيمُس٤ وغيرُهم من علماء الروم والهند وبابل في الحُدود وغيرها، وتضادُّوا في المواضع التي يأخذون منها دليلَهم؛ فبعضهم يُغَلِّبُ ربَّ بيت الطَّالع، وبعضهم يقول بالدليل المستولي على الحظوظ.
واختلفوا؛ فزعَم بَطْليموس أنه٥ يعلمُ سهمَ السعادة، بأن يأخذَ أبدًا العددَ الذي يحصلُ من موضع الشَّمس إلى موضع القمر، ويبتداء من الطَّالع فيرصدَ منه مثل ذلك العدد، ويأخذَ إلى الجهة التي تتلو من البروج؛ فيكون قد عرفَ موضعَ السَّهم.
وزعَم غيرُه أنه يَعُدُّ من الشَّمس، ثمَّ يبتداء من الطَّالع فيَعُدُّ مثلَ ذلك إلى الجهة المتقدِّمة من البروج».
قلت: وزعم آخرون أن بَطْليموس يرى أنَّ جميعَ ما يكونُ ويفسُد إنما
(١) قال الآلوسي في «روح المعاني» (٢٣/ ١٠٣): «ولعل الخلاف لفظيٌّ».
يُعْرَفُ دليلُه من موضع التقاء النيرِّين، إمَّا الاجتماعُ وإمَّا الامتلاء١؛ لأنَّ هذين الكوكبين عنده مثلُ الرئيسين العظيمين، أحدُهما يأتمرُ لصاحبه٢ وهو القمر، وهما سببا جميع ما يحدثُ في عالم الكَوْن والفساد، وأنَّ الكواكبَ الجاريةَ والثابتةَ منهما بمنزلة الجُند والعسكر من السُّلطان.
فإذا أراد النظرَ في أمرٍ من الأمور؛ إن كان بعد الاجتماع أو عنده فإنه يأخذُ الدليلَ عليه من الكوكب المستولي على جزء الاجتماع وجزئَي الشَّمس والقمر في الحال، ويشاركُه مع الشَّمس بالنسبة إلى الطالع.
وإذا كان بعد الامتلاء أو عنده فإنه ينظرُ أيُّ النيرِّين كان فوق الأرض عند الامتلاء، وينظرُ إلى الكوكب المستولي على ذلك الجزء وجزءِ النيِّر الذي كان بُعْدُ الشَّمس من الطالع كبُعْدِ القمر من سهم السعادة؛ فلذلك يجبُ عنده أن يؤخذ العددُ أبدًا من الشَّمس إلى القمر؛ لتبقى٣ تلك النسبة وهي البُعْدُ٤ بين كلِّ واحدٍ من النيِّرين طالعه محفوظ٥.
(١) للقمر من أوَّل الشهر إلى آخره خمس حالات، منها: الاستقبال، ويسمَّى: الامتلاء؛ لامتلاء القمر فيه نورًا، وذلك في الليلة الرَّابعة عشرة، ويكون في البرج السابع من بروج الشمس. ومنها: الاجتماع، وهو اجتماعه مع الشمس آخر الشهر، وهو تحاذيهما الكائن قبل الهلال. انظر: «نهاية الأرب» (١/ ٥٠)، و«مجموع الفتاوى» (٢٥/ ١٣٦).