قلت: ومِنْ هذَيانهم في هذا الذي أضحكوا به عليهم العقلاء أنهم جعلوا البروج قسمين: حارَّ المزاج، وباردَ المزاج، وجعلوا الحارَّ١ منها ذكرًا والباردَ أنثى، وابتدؤوا بالحَمَل وصيَّروه ذكرًا حارًّا، ثمَّ الذي بعده مؤنَّثًا باردًا، ثم هكذا إلى آخرها، فصارت ستَّةً ذكورًا وستَّةً إناثًا، وليست على الولاء، بل واحدٌ ذكر، وثلاثةٌ أخَر٢ أنثى مخالفةٌ له٣ في الطبيعة والذكوريَّة والأنوثيَّة، مع أن قسمة الفلك إلى البروج قسمةٌ فرضيَّةٌ وضعيَّة، فهل في أنواع هذَيان الهاذِين أعجبُ من هذا؟!
ولمَّا رأى من به رَمَقٌ مِن عقلٍ منهم تهافُتَ هذا الكلام، وسخريةَ العقلاء منه، رام تقريبَه بغاية جهده وحِذْقه، فقال: إنما ابتداء بالذَّكر دون الأنثى لأنَّ الذَّكر أشرفُ من الأنثى؛ لأنه فاعلٌ والأنثى منفعِلة!
فاعجبوا يا معشر العقلاء ــ واسألوا اللهَ أن لا يخسِفَ بعقولكم كما خسَف بعقول هؤلاء ــ لهذا الهذَيان، أفترى في البروج ناكحًا ومنكوحًا يكونُ المنكوحُ منها منفعِلًا لناكحه بالذكوريَّة، والأنوثيَّةُ تابعةٌ لهذا الفعل والانفعال فيها؟!
وهذا أعجبُ من الأول، أنَّ الذكرَ ينضمُّ إلى الذكر فيصيرُ المضمومُ إليه أنثى! فتبًّا للمصغي إليكم والمُجَوِّزِ عقلُه صِدقَكم وإصابتَكم، وأمَّا أنتم فقد أشهد اللهُ سبحانه عقلاءَ عباده وألبَّاءهم١ مقدارَ عقولكم وسخافتَها، فلله الحمدُ والمنة.
قال هذا المنتصرُ لهم: وإنما جعلوا الأفراد للذَّكر، والأزواجَ للأنثى؛ لأنَّ الفردَ يحفظُ طبيعتَه ــ أعني ينقسم دائمًا إلى فرد ــ، والزَّوجَ لا يحفظُ طبيعتَه ــ أعني ينقسم مرَّةً إلى الأفراد ومرَّة إلى الأزواج ــ، كما يعرضُ ذلك للأنثى، فإنها تلدُ مرَّةً مثلَها٢، ومرَّةً ذكرًا مخالفًا لها، ومرَّةً ذكرين، ومرَّةً أنثيين، ومرَّةً ذكرًا وأنثى.
وفسادُ هذا والعلمُ بفساد عقل صاحبه ونظره مُغْنٍ لذي اللُّبِّ عن تطلُّب دليل فساده.
قال المنتصر: وأمَّا لم جعلوا٣ البرجَ الأنثى يلي٤ برجَ الذَّكر؟ فلأنَّ الطبيعةَ هكذا ألَّفَتْ الأعدادَ واحدًا فردًا وآخر زوجًا، هكذا بالغًا ما بلَغ. وهذه القسمةُ عندهم هي قسمةٌ ذاتيَّةٌ للبروج.
ولها قسمةٌ ثانيةٌ بالعَرَض، وهي أنهم يبدؤونَ من الطالع إلى الثاني عشر، فيأخذون واحدًا ذكرًا وهو الأول، وآخرَ أنثى وهو ما يليه٥. وهذه