والقسمةُ الأولى إنما كانت ذاتيَّة لأنَّ الابتداءَ لها برأس الحَمَل، وهو موضعُ تقاطع الدائرتين اللتين هما فلكُ البروج ومعدَّلُ النهار. وأمَّا المَيْل١ للقسمة الثانية فإنه لا يبقى على حالٍ واحدة؛ لأنه مأخوذٌ من الجزء المماسِّ لأفق البلد، وهو دائمًا يتغيَّر بحركته مع الكلِّ، وحصول الأجزاء كلِّها واحدًا بعد آخر على الأفق في دورةٍ واحدة.
وأمَّا قسمةُ الفلك أرباعًا؛ فإنهم قالوا: إذا خرج خطٌّ من أفق المشرق إلى أفق المغرب، وخطٌّ من وتد الأرض إلى وسط السماء، انقسمت البروجُ أربعة أقسام، كلُّ قسمٍ ثلاثة بروجٍ على طبيعةٍ واحدة، ابتداءُ كلِّ قسمٍ من طرف قُطرٍ إلى طرف القُطر الذي يليه، وأطرافُ هذين القُطرين تسمَّى أوتادَ العالم، فالقسمُ الأول من وتد المشرق إلى وتد العاشر ذكرٌ شرقيٌّ مجفِّفٌ٢ سريع، ومن وتد العاشر إلى وتد الغارب مؤنثٌ جنوبيٌّ محرِقٌ٣ وسط، ومن وتد٤ الغارب إلى وتد الرابع ذكرٌ مُقْبِلٌ رطبٌ غربيٌّ بطيء، ومن وتد الرابع إلى وتد الطالع مؤنثٌ مُدْبِرٌ٥ مبرِّدٌ شماليٌّ وسط.
وهذه القسمة مخالفةٌ لتلك القسمتين؛ لأنَّ هذه قسمةُ البروج بأربعة
(١) مَيْل فلك البروج عن فلك معدل النهار. انظر: «الزيج الصابي» (١٧).
(٢) الحرف الثاني مهمل في (د). (ق): «مخفف». (ت): «مخفق». وهو تحريف. انظر: «روح المعاني» (٢٣/ ١٠٤).
أقسامٍ متساوية، كلُّ ثلاثة بروجٍ منها تسعين١ درجة لها طبيعةٌ تخصُّها، مع أنَّ الفلك شيءٌ واحدٌ وطبيعةٌ واحدة، وقِسمتُه إلى الدَّرَج والبروج قسمةٌ وهميةٌ بحسب الوضع، فكيف اختلفت طبائعُها وأحكامُها وتأثيراتُها واختلفت بالذُّكوريَّة والأنوثيَّة؟!
ثم إنَّ بعض الأوائل منهم لم يقتصر على ذلك، بل ابتدأ بالدرجة الأولى من الحَمَل فنسبها إلى الذكوريَّة، والثانية إلى الأنوثيَّة، وهكذا إلى آخر الحُوت.
ولا ريبَ أنَّ هذا الهذَيان لازمٌ لمن قال بقسمة البروج إلى ذكرٍ وأنثى، وقال: الذكرُ طبيعةُ الفرد، والأنثى طبيعةُ الزَّوج؛ فإنَّ هذا بعينه لازمٌ لهم في درجات البُرج الواحد، وكأنَّ هذا القائلَ تصوَّر لزومَه لأولئك، فالتزَمَه.
وأمَّا بَطْليموس فله هذيانٌ آخر؛ فإنه ابتدأ بأول درجة كلِّ برجٍ ذكر، فنسَب منها إلى تمام اثني عشر٢ درجةً ونصفًا إلى الذكوريَّة، ومنه إلى تمام خمسٍ وعشرين درجةً إلى الأنوثيَّة، ثمَّ قسم باقي البروج بنصفين، فنسَب النصفَ الأول إلى الذكر والنصفَ الآخر إلى الأنثى، وعلى هذه القسمة ابتدأ بالبرج الأنثى فنسَب الثُّلثَ ونصف السُّدس إلى الأنوثيَّة، ومثلها بعده إلى الذكوريَّة، وبقي سُدْسٌ قسَمه بنصفين، فنسَب النصفَ الأولَ إلى الأنثى والآخرَ إلى الذكر، كما عملَ بالبرج الذكر، حتى أتى على البروج كلِّها.