مفتاح دار السعادة

ثمانيةً وخمسين دقيقةً ومئة وخمسين دقيقة١، ثمَّ ينظر؛ فإن كان البرج ذكرًا أعطى القسمةَ الأولى للذكر ثمَّ الثانية للأنثى، إلى أن يأتي على الأقسام كلِّها، وإن كان البرجُ أنثى أعطى القسمةَ الأولى للأنثى ثمَّ الثانية للذكر، إلى أن يأتي على الأقسام كلِّها.

ولو قُدِّرَ أنَّ جاهلًا آخر قَفَزَ٢ هذه الأوضاع وقَلَبها وتكلَّم عليها لكان مِن جنس كلامهم، ولم يكن عندهم من البرهان ما يردُّون به قولَه، بل إنْ رأوه قد أصاب في بعض أحكامه ــ لا في أكثرها ــ أحسنُوا به الظنَّ، وتقلَّدوا قولَه، وجعلوه قدوةً لهم! وهذا شأنُ الباطل!

عُدنا إلى كلام عيسى في رسالته، قال: «واختلفوا في الحدود؛ فزعم أهلُ مصر أنها تؤخذُ من أرباب البيوت، وزعم الكلدانيُّون أنها تؤخذُ من مدبِّري المثلَّثات٣.

وإذا كان اختلافُ الذين يقتدون٤ بهم في أصولهم هذا الاختلاف، وليس هم ممَّن يطالِبُ بالبرهان ولا يعتقدُ الشيءَ حتى يصحَّ على البحث والقياس، فيعرفونَ مع من الحقُّ من رؤسائهم، وفي أيِّ قولٍ هو من أقوالهم فيعملون به، وإنما طريقتُهم التسليمُ لما وجدوه في الكتب المنقولة من لسانٍ

  1. (١) في الأصول: «ثمانية وخمسين دقيقة مئة وخمسين دقيقة». وفي (ط): «ثمانية وخمسون دقيقة ومئة وخمسون ثانية». والمثبت من «روح المعاني» (٢٣/ ١٠٤).
  2. (٢) (ت): «مر». (ط): «تفنن في».
  3. (٣) (ق، د): «المثليات». وهو تحريف. انظر: «صفة جزيرة العرب» للهمداني (٣٩)، و«رسائل إخوان الصفا» (١/ ١٢٣)، و«روح المعاني» (٢٣/ ١٠٣).
  4. (٤) (د، ق): «يعتدون».
1253

إلى لسان= فكيف يجوزُ لهم أن ينفردوا باعتقاد قولٍ من هذه الأقوال وينصرفوا عمَّا سواهُ إلا على طريق الشَّهوة والتخمين؟! والله المستعان.

ذِكرُ بعض ما يُستبشَعُ من أقوالهم ويُستَدلُّ به على مناقَضتهم

مِن ذلك: زعمهُم أنَّ الفلكَ جسمٌ واحد، وطبيعةٌ واحدة، وأنه شيءٌ واحد، وليس بأشياء مختلفة، ثم زعموا بعد ذلك أنَّ بعضَه ذكرٌ وبعضَه أنثى، ولا دلالة لهم على ذلك ولا برهان، ولا وجدنا جسمًا واحدًا في الشَّاهد بعضُه ذكرٌ وبعضُه أنثى».

قلت: قد رامَ بعضُ الملبِّسين من فضلائهم تصحيحَ هذا الهذَيان، بأن قال: ليس يستحيلُ أن يكون جسمٌ واحدٌ بعضُه أنثى وبعضه ذكر، كالرَّجل مثلًا، فإنَّ العينَ والأذنَ واليد والرِّجلَ منه مؤنثة، والرأسَ والصُّلبَ والصدرَ والظهرَ منه ذكر.

وأيضًا؛ فإنَّ الجسم مركَّبٌ من الهَيُولى والصورة١، والهَيُولى مذكرةٌ والصورةُ مؤنثة.

وأيضًا؛ لمَّا وجدَ المنجِّمون الشَّمسَ تدلُّ على الآباء والأبُ ذكرٌ، والقمرَ يدلُّ على الأمِّ وهي أنثى، قالوا: إنَّ الشَّمس ذكرٌ والقمرَ أنثى.

قالوا: وقد قال أرسطو في كتاب «الحيوان»: طَمْثُ المرأة يدرُّ في نقصان الشهر، ولذلك٢ قال بعض الناس: إنَّ القمر أنثى.

  1. (١) الهيولى: لفظ يوناني، بمعنى الأصل والمادة. والصورة: ما به يحصُل الشيء بالفعل، كالهيئة الحاصلة للكرسي بسبب اجتماع الخشب. «المعجم الفلسفي» (٥٣٦، ٧٤١).
  2. (٢) (ق، ت): «وكذلك».
1254

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي