مفتاح دار السعادة

إلى لسان= فكيف يجوزُ لهم أن ينفردوا باعتقاد قولٍ من هذه الأقوال وينصرفوا عمَّا سواهُ إلا على طريق الشَّهوة والتخمين؟! والله المستعان.

ذِكرُ بعض ما يُستبشَعُ من أقوالهم ويُستَدلُّ به على مناقَضتهم

مِن ذلك: زعمهُم أنَّ الفلكَ جسمٌ واحد، وطبيعةٌ واحدة، وأنه شيءٌ واحد، وليس بأشياء مختلفة، ثم زعموا بعد ذلك أنَّ بعضَه ذكرٌ وبعضَه أنثى، ولا دلالة لهم على ذلك ولا برهان، ولا وجدنا جسمًا واحدًا في الشَّاهد بعضُه ذكرٌ وبعضُه أنثى».

قلت: قد رامَ بعضُ الملبِّسين من فضلائهم تصحيحَ هذا الهذَيان، بأن قال: ليس يستحيلُ أن يكون جسمٌ واحدٌ بعضُه أنثى وبعضه ذكر، كالرَّجل مثلًا، فإنَّ العينَ والأذنَ واليد والرِّجلَ منه مؤنثة، والرأسَ والصُّلبَ والصدرَ والظهرَ منه ذكر.

وأيضًا؛ فإنَّ الجسم مركَّبٌ من الهَيُولى والصورة١، والهَيُولى مذكرةٌ والصورةُ مؤنثة.

وأيضًا؛ لمَّا وجدَ المنجِّمون الشَّمسَ تدلُّ على الآباء والأبُ ذكرٌ، والقمرَ يدلُّ على الأمِّ وهي أنثى، قالوا: إنَّ الشَّمس ذكرٌ والقمرَ أنثى.

قالوا: وقد قال أرسطو في كتاب «الحيوان»: طَمْثُ المرأة يدرُّ في نقصان الشهر، ولذلك٢ قال بعض الناس: إنَّ القمر أنثى.

  1. (١) الهيولى: لفظ يوناني، بمعنى الأصل والمادة. والصورة: ما به يحصُل الشيء بالفعل، كالهيئة الحاصلة للكرسي بسبب اجتماع الخشب. «المعجم الفلسفي» (٥٣٦، ٧٤١).
  2. (٢) (ق، ت): «وكذلك».
1254

قالوا: وأيضًا؛ فالشَّمس إذا كانت قريبًا من سَمْت الرؤوس كان الحرُّ واليُبس، وهما من طبيعة الذكوريَّة، والقمرُ إذا كان يقرُب من سَمْت الرؤوس بالليل كان البردُ والرطوبة، وهما من طبيعة الأنثى.

فليَعجَب العاقلُ اللبيبُ من هذه الخرافات!

فأمَّا أعضاءُ الإنسان الذكرُ والأنثى، فذلك أمرٌ راجعٌ إلى مجرد اللفظ وإلحاق علامة التأنيث في تصغيره ووصفه وخبره وعَوْد الضمير عليه بلفظ التأنيث وجَمْعه جمعَ المؤنَّث، وليس ذلك عائدٌ إلى طبيعة العُضو ومِزاجه.

فنظيرُ هذا قولُ النحاة: الشَّمس مؤنثة؛ للَحاق العلامة لها في تصغيرها فتقول: شُمَيْسة، وفي الخبر عنها نحو: الشَّمس طالعة. والقمرُ مذكر؛ لعدم لحاق العلامة له في شيءٍ من ذلك.

فعلى هذا الوجه وقعَ التذكيرُ والتأنيثُ في أعضاء الحيوان.

وأمَّا قِسمتُكم البروجَ وأجزاءَ الفلك إلى مذكرٍ ومؤنث، فليست بهذا الاعتبار، بل باعتبار الفعل والانفعال والحرارة والرطوبة، فتشبيهُ أحد البابين بالآخر تلبيسٌ وجهل.

وأمَّا تركيبُ الجسم من الهَيُولى والصورة فأكثرُ العقلاء نفَوْه١، وقالوا: هو شيءٌ واحدٌ متصلٌ متواردٌ عليه الاتصال والانفصال، كما يتواردُ عليه غيرُها من الأعراض فيقبلُها، ولا يلزمُه من قبوله الاتصالَ

  1. (١) انظر: «مجموع الفتاوى» (١٧/ ٣٢٨)، و«درء التعارض» (٣/ ٣٩٨)، و«الرد على المنطقيين» (٦٧).
1255

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي