مفتاح دار السعادة

والانفصال١ أن يكون هناك شيءٌ آخرُ غير الجسميَّة يقبلُ به ذلك، والذين قالوا بتركيبه منهما لم يقل أحدٌ منهم أصلًا: إنه مركَّبٌ من ذكرٍ وأنثى. والصورةُ مؤنثةٌ في اللفظ لا في الطبيعة.

واضحاك لهم على٢ عقولهم السخيفة!

وأمَّا دلالةُ الشَّمس على الأب وهو مذكَّر، ودلالةُ القمر على الأمِّ وهي أنثى، فلو سلِّمت لكم هذه الدَّلالة، كيف يلزمُ منها تذكيرُ ما دلَّ على الذَّكر وتأنيثُ ما يدلُّ على الأنثى؟! وأين الارتباطُ العقليُّ بين الدليل والمدلول في ذلك؟ كيف، ودلالةُ الشَّمس على الأب والقمر على الأمِّ مبنيٌّ على تلك الدعاوى الباطلة التي ليس لها مستندٌ [تستندُ]٣ إليه إلا خيالاتٌ وأوهامٌ لا يرضاها العقلاء؟!

وأمَّا ما حكوه عن أرسطو فنقلٌ محرَّف، ونحن نذكرُ نصَّه في الكتاب المذكور، فإنَّ لنا به نسخةً مصحَّحةً قد اعتُني بها٤.

قال في المقالة الثامنة عشرة ــ بعد أن تكلَّم في علَّة الإذكار والإيناث وذَكَر قولَ من قال: إنَّ سببَ الإذكار حرارةُ الرَّحِم وسببَ الإيناث برودتُه، وأبطَل هذا بأنَّ الرَّحِمَ مشتملٌ على الذكر والأنثى معًا في الإنسان وفي كلِّ حيوان يلد ــ، قال: فقد كان ينبغي على قول هذا القائل أن يكونَ التوأمان إمَّا

  1. (١) من قوله: «كما يتوارد عليه» إلى هنا ساقط من (ت).
  2. (٢) كذا في (د، ق). (ت): «واضحاك بهم». ولم أتبينها. وأصلحها ناشر (ط) إلى: «وا ضحكاه على».
  3. (٣) زيادة من (ط).
  4. (٤) انظر: «أبجد العلوم» (٢/ ٢٦٠)، و«كشف الظنون» (١/ ٦٥٩).
1256

ذكرين وإمَّا أنثيَين، ــ وأبطله بوجوهٍ أخر ــ، وهذا رأيُ إنبدُقليس١.

وذَكَرَ قولَ دِيمُقراطِيس أنَّ ذلك ليس لأجل حرارة الرَّحِم وبرودته، بل بحسب الماء الذي يخرُج من الذَّكر وطبيعته في الحرارة والبرودة، وجَعَل قوَّة الإذكار والإيناث تابعةً لماء الذَّكر.

وذَكَر قولَ طائفةٍ أخرى أنَّ خروجَ الماء من الناحية اليمنى من البدن هي علةُ الإذكار، وخروجَه من الناحية اليسرى هي علةُ الإيناث، قال: إنَّ الناحيةَ اليمنى من الجسد أسخنُ من الناحية اليسرى وأنضجُ وأدفأُ من غيرها.

ورجَّحَ قولَ دِيمُقراطِيس بالنسبة إلى هذه الآراء، ثم قال: فقد بينَّا العلَّة التي من أجلها يُخْلَقُ في الرَّحِم ذكرٌ وأنثى، والأعراض التي تَعرِضُ تشهدُ لما بينَّا، فإنَّ٢ الأحداثَ يلدون الإناثَ أكثر من الشَّباب، والمتشيِّبين٣ يلدون إناثًا أيضًا أكثر من الشباب؛ إذ٤ الحرارةَ التي في الأحداث ليست بتامَّةٍ بعد، والحرارةَ التي في الشُّيوخ ناقصة، والأجسامُ الرطبةُ التي خِلْقتُها٥ شبيهةٌ بخِلقة بعض النساء تلدُ إناثًا أكثر.

ثمَّ قال: فإذا كانت الريحُ شَمالًا كان الولدُ ذكرًا، وإذا كانت جَنوبًا كان المولودُ أنثى؛ لأنَّ الأجسادَ إذا هبَّت الجَنوبُ كانت رطبة، وكذلك يكونُ

  1. (١) Empedocles. «عيون الأنباء» (١/ ٣٦): أنباذقليس. ورسم في الأصول: ابندقليس. ونحوه في «طبقات الأمم» (٢١). وتحرَّف في «تاريخ الحكماء» (٢٤٩، ٢٧٠).
  2. (٢) في الأصول: «ان». ولعل الأشبه ما أثبت.
  3. (٣) كذا في الأصول. وهو استعمالٌ نادر.
  4. (٤) في الأصول: «ان». تحريف.
  5. (٥) في الأصول: «خلقها». والمثبت من (ط).
1257

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي