قالوا١: وقد جاء في بعض الأخبار أنَّ جنة آدم كانت بأرض الهند٢.
قالوا: وهذا وإن كان لا يصحِّحه رواةُ الأخبار ونقلة الآثار، فالذي تقبلُه الألبابُ ويشهدُ له ظاهرُ الكتاب أنَّ جنة آدم ليست جنةَ الخلد ولا دارَ البقاء، وكيف يجوزُ أن يكون اللهُ أسكنَ آدمَ جنةَ الخلد ليكون فيها من الخالدين، وهو القائل للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾؟!
وكيف أخبَر الملائكةَ أنه يريدُ أن يجعل في الأرض خليفة، ثم يُسْكِنُه دارَ الخلود، ودارُ الخلود لا يدخلُها إلا من يخلُد فيها، كما سُمِّيت بدار الخلود؟!٣
فقد سمَّاها الله بالأسماء التي تقدَّم ذِكْرُنا لها٤ تسميةً مطلقةً لا خصوص فيها، فإذا قيل للجنة: "دار الخُلد" لم يَجُزْ أن يُنْقَض مسمَّى هذا الاسم بحال.
(١) في (ت، ن) ههنا زيادة: "وقد جاء في الأخبار أنها ليست جنة الخلد". والسياقُ يأباها.
(٢) لم أقف على شيءٍ منها. لكن وردت آثارٌ عن جماعةٍ من الصحابة والتابعين في أن الهند هي الموضعُ الذي أُهبِط آدمُ إليه من الأرض، ولعلها من أخبار أهل الكتاب. انظر: "مستدرك الحاكم" (٢/ ٥٤٢)، و"مصنف عبد الرزاق" (٥/ ٩٣، ١١٦)، و"تاريخ الطبري" (١/ ١٢١)، و"الدر المنثور" (١/ ٥٥). وروي في ذلك شيءٌ مرفوع، لكنه لم يثبت. انظر: "تاريخ دمشق" (٧/ ٤٣٧)، و"كنز العمال" (٢/ ٣٥٨)، و"السلسلة الضعيفة" (٤٠٣).
(٣) كذا قرأتُ الجملة الأخيرة. ويحتمل أن تكون متعلِّقة بما بعدها.
وعلى هذا، فإسكانُ آدمَ وذريته في هذه الجنة لا ينافي كونهم في دار الابتلاء والامتحان، وحينئذٍ فكانت١ تلك الوجوهُ والفوائدُ التي ذكرتموها ممكنةَ الحصول في الجنة.
فالجوابُ أن يقال: هذا فيه قولان للناس، ونحن نذكرُ القولين، واحتجاجَ الفريقين، ونبينُ ثبوتَ الوجوه التي ذكرناها وأمثالها على كلا القولين.
ونذكرُ أوَّلًا قول من قال: إنها جنةُ الخلد التي وَعَدَها الله المتقين، وما احتجُّوا به، وما نقضوا به حججَ من قال: إنها غيرها، ثمَّ نتبعُه مقالةَ الآخرين وما احتجُّوا به، وما أجابوا به عن حجج منازعيهم، من غير انتصابٍ لنصرةِ أحد القولين وإبطال الآخر؛ إذ ليس غرضُنا ذلك، وإنما الغرضُ ذكرُ بعض الحِكَم والمصالح المقتضية لإخراج آدمَ من الجنة، وإسكانه في الأرض في دار الابتلاء والامتحان.
وكان الغرضُ بذلك الردَّ على من زعم أنَّ حكمة الله سبحانه تأبى إدخالَ آدمَ الجنة وتعريضَه للذنب الذي أُخْرِجَ منها به، وأنه أيُّ فائدةٍ في ذلك، والردَّ على من أبطل أن يكون له في ذلك حكمة، وإنما هو صادرٌ عن محض المشيئة التي لا حكمة وراءها.
ولما كان المقصودُ حاصلًا على كلِّ تقدير ــ سواءٌ كانت جنةَ الخلد أو غيرها ــ بنَينا الكلامَ على التقديرين، ورأينا أنَّ الردَّ على هؤلاء بدبُّوس