فقد جمعتم إلى جهلكم بالطبيعة، والكذب على الخِلقة، القولَ الباطلَ على الله وعلى خلقه.
وليس العجبُ إلا ممَّن يدَّعي شيئًا من العقل والمعرفة، كيف ينقادُ له عقلُه بالإصغاءِ إلى مُحالاتكم وهذياناتكم؟! ولكنْ كلُّ مجهولٍ مَهِيب!
ولمَّا تكايَسَ مَن تكايسَ منكم في أمر الهَيُولى وزعَم أنها أنثى، وأنَّ الصُّورةَ ذكر، وأنَّ الجسمَ الواحدَ مشتملٌ على الذكر والأنثى، أضحَك عقلاءَ الفلاسفة عليه، فإنَّ زعيمَهم ومعلِّمهم الأول١ قد نصَّ في كتاب «الحيوان» له على أنَّ الهَيُولى في الجسم٢ كالذَّكر.
وإن قلتم: فهذا يشهدُ لقولنا أيضًا؛ لأنها إن كانت عنده كالذَّكر فالصورةُ أنثى، فصار الجسمُ الواحدُ بعضُه ذكرٌ وبعضه أنثى.
قلنا: القائلون بتركُّب الأجسام٣ من الهَيُولى والصورة لم يقولوا: إنَّ أحدهما متميِّزٌ عن الآخر، كما زعمتم ذلك في أجزاء الفلك، بل عندهم الهَيُولى والصورة قد اتحدا وصارا شيئًا واحدًا، فالإشارةُ الحِسِّيةُ إلى أحدهما هي بعينها إشارةٌ إلى الآخر، وأنتم جعلتم الجزء المذكَّر من الفلك٤ مباينًا للجزء الأنثى منه بالوضع والحقيقة، والإشارةَ إلى أحدهما غيرَ الإشارة إلى الآخر.
(١) وهو أرسطو. والفارابي معلمهم الثاني.
(٢) (ت): «الهيولى كالذكر».
(٣) (ق): «بتركيب الأجسام».
(٤) في الأصول: «من القلب». وهو تحريف.
وللكلام مع أصحاب الهَيُولى مقامٌ آخرُ ليس هذا موضعه١؛ فإنَّ دعوى تركُّب الجسم منهما دعوى فاسدةٌ من وجوهٍ كثيرة، وليس يصحُّ شيءٌ هنا غيرُ الهَيُولى الصِّناعية؛ كالخشب للسَّرير، والطبيعيَّة؛ كالمنيِّ للمولود، وهي المادةُ الصِّناعيةُ والطبيعيَّة، وما سوى ذلك فخيالٌ ومحال، والله المستعان.
عُدنا إلى كلام صاحب الرسالة، قال:
«ومن ذلك٢: زعمُهم أنه إن اتفقَ مولودٌ ابنُ ملكٍ وابنُ حجَّامٍ في البلد والوقت والطالع والدرجة، وكانت سائرُ دلالات السعادة موجودةً في مَولِدَيهما، وَجَبَ أن يكون من ابن الملك مَلِكٌ جليلٌ سائسٌ مدبِّر، ومن ابن الحجَّام حجَّامٌ حاذق.
وهذا يُخرِجُ النجومَ عن أن تكونَ تدلُّ على ما يتجدَّدُ من حال الإنسان، ويجعلُها تدلُّ على حِذقه في صناعة أبيه٣ وتقصيره فيها».
قلت: وممَّا يوضِّحُ فسادَ قولهم في ذلك أنَّ بَطْليموس جعَل الكواكبَ الدَّالة على الصِّناعات ثلاثة: المرِّيخ والزُّهَرة وعطارد، وقال: لأنَّ الصناعات العملية تحتاجُ إلى ثلاثة أشياء ضرورةً، أحدها: المعرفة، والثاني: الآلة، والثالث: لطافةٌ٤ في الكفِّ؛ ليخرُج المعمولُ المصنوعُ حسنًا.
(١) راجع ما تقدم (ص: ١٢٥٥) والتعليق عليه.
(٢) مما يستبشَع من أقوالهم ويستَدلُّ به على مناقضتهم.