وللكلام مع أصحاب الهَيُولى مقامٌ آخرُ ليس هذا موضعه١؛ فإنَّ دعوى تركُّب الجسم منهما دعوى فاسدةٌ من وجوهٍ كثيرة، وليس يصحُّ شيءٌ هنا غيرُ الهَيُولى الصِّناعية؛ كالخشب للسَّرير، والطبيعيَّة؛ كالمنيِّ للمولود، وهي المادةُ الصِّناعيةُ والطبيعيَّة، وما سوى ذلك فخيالٌ ومحال، والله المستعان.
عُدنا إلى كلام صاحب الرسالة، قال:
«ومن ذلك٢: زعمُهم أنه إن اتفقَ مولودٌ ابنُ ملكٍ وابنُ حجَّامٍ في البلد والوقت والطالع والدرجة، وكانت سائرُ دلالات السعادة موجودةً في مَولِدَيهما، وَجَبَ أن يكون من ابن الملك مَلِكٌ جليلٌ سائسٌ مدبِّر، ومن ابن الحجَّام حجَّامٌ حاذق.
وهذا يُخرِجُ النجومَ عن أن تكونَ تدلُّ على ما يتجدَّدُ من حال الإنسان، ويجعلُها تدلُّ على حِذقه في صناعة أبيه٣ وتقصيره فيها».
قلت: وممَّا يوضِّحُ فسادَ قولهم في ذلك أنَّ بَطْليموس جعَل الكواكبَ الدَّالة على الصِّناعات ثلاثة: المرِّيخ والزُّهَرة وعطارد، وقال: لأنَّ الصناعات العملية تحتاجُ إلى ثلاثة أشياء ضرورةً، أحدها: المعرفة، والثاني: الآلة، والثالث: لطافةٌ٤ في الكفِّ؛ ليخرُج المعمولُ المصنوعُ حسنًا.
(١) راجع ما تقدم (ص: ١٢٥٥) والتعليق عليه.
(٢) مما يستبشَع من أقوالهم ويستَدلُّ به على مناقضتهم.
(٣) في الأصول: «حذقه وصناعة أبيه». وهو تحريف.
(٤) (ق): «الطاقة». وهو تحريف.
فالآلةُ للمرِّيخ، وتكونُ ــ على الأكثر ــ إمَّا حديدًا وإمَّا مصاحبةً للحديد١، ولذلك يقولون: صورتُه صورةُ شابٍّ بيمناه سيفٌ مسلول، وبيسراه رأسُ إنسان٢، وهو راكبٌ أسدًا، وثيابه حُمْرٌ تَلْهَب. وآخرون منهم يقولون: على رأسه بيضةٌ، وبيسراه طَبَرْزِين٣، وعليه خرقةٌ حمراء، وهو راكبٌ فرسًا أشهَب.
والمعرفةُ لعطارد، ولذلك يقولون: صورتُه صورةُ شابٍّ بيمناه حيَّة، وبيسراه لوحٌ يقرؤه، وهو راكبٌ على طاووس. ومنهم من يقول: صورتُه صورةُ رجلٍ جالسٍ على كرسيٍّ، بيده مصحفٌ يقرؤه، وهو راكبٌ على طاووس٤، وعلى رأسه تاج، وثيابه ملوَّنة٥.
والتزاويقُ والنقوشُ وما شاكلَ ذلك للزُّهَرة، ولذلك يقولون: صورتُها صورةُ امرأةٍ حسناء، بين يديها مِزْهَرٌ تضربُ به٦، وهي راكبةٌ على جمل.
(١) العبارة غير محررة في الأصول. ولعلَّ فيها سقطًا. ففي (ق، د): «والآلة للمريخ إليها تكون على الأكثر إما حديد وإمَّا مصاحبة للحد». (ت): «فالآلة المريخ البنا تكون على الأكثر إمَّا حديدا وإمَّا مصاحبة للحد». (ط): «والآلة للمريخ التي يشير إليها يكون على الأكثر إمَّا حديدا وإمَّا مصاحبة للحديد»، ولعله من تصرف الناشر. وبما أثبتُّ يستقيم السياق.
(٢) في الأصول: «سنان». والمثبت من «السر المكتوم» (٥٧) أشبه.
(٣) وهو فأسٌ يعلِّقه الفارسُ في سرج جواده. فارسيَّةٌ معرَّبة. انظر: «المعرب» للجواليقي (٢٧٦)، و«قصد السبيل» (٢/ ٢٥٢).
(٤) من قوله: «وهو راكب على طاووس» في الموضع الأول إلى هنا سقط من (ق)؛ لانتقال النظر.
(٥) «السر المكتوم» (٥٨): «وعليه ثيابٌ خضرٌ وصفر».
(٦) المِزْهَر: العُود، من آلات الطرب. «المعجم الوسيط» (زهر). وفي «السر المكتوم»: «بَرْبَط». وهو المزهر.