مفتاح دار السعادة

وأيضًا؛ فإذا جوَّزتم انفعالَ الفلكيَّات عن أجزاء هذا العالم السُّفليِّ لَزِمَكم تجويزُ فساد هذه الكواكب من هذه الأجزاء١ العنصريَّة، ولزمكم تجويزُ أن يرتفعَ إلى القمر من الأدخِنة ما يوجبُ جفافَه وبلوغَه في اليُبس الغاية.

وأيضًا؛ فإذا جوَّزتم ذلك فَلِمَ لا تجوِّزون نفوذَ تلك البُخَارات إلى ما وراء فلَك القمر، حتى يترطَّب فلَكُ الأفلاك؟!

فإن قلتم: فلكُ القمر عائقٌ عن ذلك.

قلنا: وكرةُ الأثير٢ حائلةٌ بين عالمنا هذا وبين فلك القمر، فكيف جوَّزتم وصولَ البُخارات الأرضيَّة إلى فلَك القمر؟!

[وأما زعمهم أنَّ في]٣ مشابهة لون المرِّيخ للون النَّار ما يقتضي٤ تأثيره الإحراقَ والتجفيف، فهل في الهذَيان أعجبُ من هذا؟! فإن أرادوا النارَ البسيطة فإنها لا لونَ لها، وإن أرادوا النارَ الحادثةَ فهي بحسب مادَّتها التي توجبُ حُمْرتَها وصُفْرتها وبياضها.

  1. (١) (د، ق): «الأجرام».
  2. (٢) في الأصول: «الأثر». ويقال له: الفلك الأثير، والكرة الثانية، وكان يعتقَد أنه يملأ الفضاء، والأرض والأفلاك تتحرك خلاله، وزعموا أنه مؤثر في العالم الأرضي بحرارته ويبسه، ولذا سمِّي أثيرًا. انظر: «التوقيف على مهمات التعاريف» (٥٦٤)، و«الموسوعة العربية العالمية» (الأثير).
  3. (٣) في الأصول بدل ما بين المعكوفين: «وفي». وكأن ثمة سقطًا. وأثبتُّ ما يفهَم به السياق.
  4. (٤) في الأصول: «مما يقتضي». وأثبت الأنسب للسياق.
1266

وأمَّا كونُ الشَّمس تحته فهذا لا يقتضي تأثيرَها فيه، وإعطاءه قوَّة التَّجفيف والإحراق؛ فإنَّ الشَّمس لو أثَّرت فيه ذلك وأعطته إيَّاه لكانت بهذا التأثير والإعطاء للزُّهَرة أولى؛ لأنَّ كُرتَها١ فوق كرة الزُّهَرة، ونسبتها إلى كرة الزُّهَرة كنسبتها إلى كرة المرِّيخ، فهلَّا كانت قوَّةُ الزُّهَرة التجفيفَ والإحراق؟! بل تأثيرُ الشَّمس فيما تحتها أولى من تأثيرها فيما فوقها.

قال صاحبُ الرسالة: «وإنَّ الكواكبَ الثَّابتةَ٢ التي في الدُّبِّ الأكبر٣ قوَّتُها كقوة المرِّيخ. وهذا غلطٌ عظيم؛ لأنَّ لونَ هذه الكواكب غيرُ مُشْبِهٍ للون النار، وليست الكرةُ التي فيها الشَّمس موضوعةً تحتها، بل الكرةُ التي فيها زُحَل موضوعةٌ تحتها، فهي بأن يكون حالُها مُشْبِهًا لحال زُحَل أولى؛ لأنها فوقه، وبُعْدُها عن الشَّمس وعن حرارات الأرض أكثرُ مِن بُعْدِه».

قلت: والعجبُ من هؤلاء، يعلَمون قولَ مُقَدَّمهم بَطْليموس: إنَّ طبائعَ الأجرام السَّماوية واحدة؛ ثمَّ يحكمون على بعضها بالحرارة، وعلى بعضها بالبرودة، وكذلك بالرُّطوبة واليُبوسة!

قال: «وزعموا أنَّ عطاردَ معتدلٌ في التجفيف والترطيب؛ لأنه لا يَبْعُدُ في وقتٍ من الأوقات عن حَرِّ الشَّمس بُعْدًا كثيرًا، ولا وَضْعُه فوق كرة القمر، وأنَّ الكواكبَ الثابتةَ التي في الجاثي٤ حالُها شبيهةٌ بحاله، وليس يوجَدُ لها

  1. (١) في الأصول: «كونها». وهو تحريف.
  2. (٢) أي: ومما يستبشَع من أقوالهم ويستَدلُّ به على مناقضتهم قولهم: ... .
  3. (٣) وهي سبعة أنجم ظاهرة. واسمها عند العرب: بنات نعش الكبرى. انظر: «الأنواء» لابن قتيبة (١٤٧، ١٤٨)، و«المرصع» لابن الأثير (٣٣٠).
  4. (٤) (ق): «الجاني». (ت): «الحاتي». وهو تحريف. انظر: «صور الكواكب الثمانية والأربعين» (٥٩)، و«مفاتيح العلوم» (١٩٤).
1267

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي