وأمَّا كونُ الشَّمس تحته فهذا لا يقتضي تأثيرَها فيه، وإعطاءه قوَّة التَّجفيف والإحراق؛ فإنَّ الشَّمس لو أثَّرت فيه ذلك وأعطته إيَّاه لكانت بهذا التأثير والإعطاء للزُّهَرة أولى؛ لأنَّ كُرتَها١ فوق كرة الزُّهَرة، ونسبتها إلى كرة الزُّهَرة كنسبتها إلى كرة المرِّيخ، فهلَّا كانت قوَّةُ الزُّهَرة التجفيفَ والإحراق؟! بل تأثيرُ الشَّمس فيما تحتها أولى من تأثيرها فيما فوقها.
قال صاحبُ الرسالة: «وإنَّ الكواكبَ الثَّابتةَ٢ التي في الدُّبِّ الأكبر٣ قوَّتُها كقوة المرِّيخ. وهذا غلطٌ عظيم؛ لأنَّ لونَ هذه الكواكب غيرُ مُشْبِهٍ للون النار، وليست الكرةُ التي فيها الشَّمس موضوعةً تحتها، بل الكرةُ التي فيها زُحَل موضوعةٌ تحتها، فهي بأن يكون حالُها مُشْبِهًا لحال زُحَل أولى؛ لأنها فوقه، وبُعْدُها عن الشَّمس وعن حرارات الأرض أكثرُ مِن بُعْدِه».
قلت: والعجبُ من هؤلاء، يعلَمون قولَ مُقَدَّمهم بَطْليموس: إنَّ طبائعَ الأجرام السَّماوية واحدة؛ ثمَّ يحكمون على بعضها بالحرارة، وعلى بعضها بالبرودة، وكذلك بالرُّطوبة واليُبوسة!
قال: «وزعموا أنَّ عطاردَ معتدلٌ في التجفيف والترطيب؛ لأنه لا يَبْعُدُ في وقتٍ من الأوقات عن حَرِّ الشَّمس بُعْدًا كثيرًا، ولا وَضْعُه فوق كرة القمر، وأنَّ الكواكبَ الثابتةَ التي في الجاثي٤ حالُها شبيهةٌ بحاله، وليس يوجَدُ لها
(١) في الأصول: «كونها». وهو تحريف.
(٢) أي: ومما يستبشَع من أقوالهم ويستَدلُّ به على مناقضتهم قولهم: ... .
(٣) وهي سبعة أنجم ظاهرة. واسمها عند العرب: بنات نعش الكبرى. انظر: «الأنواء» لابن قتيبة (١٤٧، ١٤٨)، و«المرصع» لابن الأثير (٣٣٠).
من السَّببين١ اللذَيْن دلَّا على طبيعة عطارد شيئًا، بل الذي٢ يوجَدُ لها ضدُّ ذلك، وهو أنها بعيدةٌ من الشَّمس في أكثر الأوقات، وأن فلكها أبعدُ أفلاك الكواكب من كرة القمر.
وقالوا: إنَّ الكواكبَ التي في العواء٣ تشبهُ حالَ عطارد وزُحَل في بعض الأوقات، وتشبهُ حالَ المشتري والمرِّيخ في بعضها».
قلت: وقد استدلَّ فضلاؤكم٤ على اختلاف طبائع الكواكب باختلاف ألوانها، فقالوا: زُحَل لونُه الغُبْرة والكُمُودة٥، فحكمنا بأنه على طبع السَّوداء، وهو البردُ واليُبس، فإنَّ السوداء لها من الألوانِ الغُبْرةُ.
وأمَّا المرِّيخُ، فإنه يشبهُ لونُه لونَ النار، فلا جرَمَ قلنا: طبعُه حارٌّ يابس.
وأمَّا الشَّمس، فهي حارَّةٌ يابسة؛ لوجهين:
أحدهما: أنَّ لونها يشبهُ لونَ الحُمْرة.
الثاني: أنَّا نعلمُ بالبديهة٦ أنها مسخِّنةٌ للأجسام، منشِّفةٌ للرطوبات.
(١) (ت): «الشيئين».
(٢) في الأصول: «الدور». وهو تحريف.
(٣) (ق): «النفاد». ومهملة في (د). (ت): «المقاد». وأقرب ما يحتمله الرسم من الصواب: العواء، والعقاب. وهما كوكبتان معروفتان، ككوكبة الجاثي المتقدمة. انظر المصدرين السابقين.