مفتاح دار السعادة

ولا ننكرُ أيضًا ارتباطَ فصول العالم الأربعة بحركات الشَّمس وحلولها في أبراجها.

ولا ننكرُ أنَّ السُّودان لما كان مسكنُهم خطَّ الاستواء إلى محاذاة ممرِّ رأس السَّرطان١، وكانت الشَّمسُ تمرُّ على [سَمْت]٢ رؤوسهم في السنة إمَّا مرَّةً وإمَّا مرتين؛ تسوَّدت أبدانُهم، وتجعَّدت شعورُهم، وقلَّت رطوباتهم، فساءت أخلاقُهم، وضعُفت عقولُهم.

وأمَّا الذين مساكنُهم أقربُ إلى محاذاة ممرِّ السرطان، فالسَّوادُ فيهم أقلُّ، وطبائعُهم أعدَل، وأخلاقُهم أحسن٣، وأجسامُهم أنصَف٤، كأهل الهند، واليمن، وبعض أهل الغَرب، [وكلِّ العرب]٥.

وعكسُ هؤلاء الذين مساكنُهم على ممرِّ رأس السرطان إلى محاذاة بناتِ نَعْشٍ الكبرى، فهؤلاء لأجل أنَّ الشَّمس لا تُسَامِتُ رؤوسَهم، ولا تبعُد عنهم أيضًا بُعْدًا كثيرًا، لم يَعْرِض لهم حرٌّ شديدٌ ولا بردٌ شديد، فألوانهم متوسِّطة، وأجسامُهم معتدلة، وأخلاقُهم فاضلة٦، كأهل الشَّام والعراق

  1. (١) «السر المكتوم»: «محاذاة من رأس السرطان».
  2. (٢) من «السر المكتوم»، وكذا الزيادات التالية، فإن هذا المبحث ملخَّصٌ منه.
  3. (٣) «السر المكتوم»: «آنس».
  4. (٤) أي: أعدل. أفعل تفضيل، مِن أنصَفَ، على غير قياس. وفي (ت): «أنظف». (ق): «اتصف». (ط): «ألطف». وفي «الفلاكة والمفلوكون» (٢٤): «أنصع». والمثبت من (د) و«السر المكتوم».
  5. (٥) «السر المكتوم»: «وبعض المغاربة وكل العرب».
  6. (٦) «السر المكتوم»: «حسنة».
1273

وخراسان وفارس والصِّين١.

ثمَّ من كان من هؤلاء أميَلُ إلى ناحية الجنوب كان أتمَّ في الذَّكاء والفهم، ومن كان منهم يميلُ إلى ناحية المشرق فهم أقوى نفوسًا وأشدُّ ذكورةً٢، ومن كان يميلُ إلى ناحية المغرب غلبَ عليه اللِّينُ والرَّزانة٣.

ــ ومن تأمَّل هذا حقَّ التأمُّل، وسافر بفكره في أقطار العالَم، عَلِمَ حكمةَ الله في نشر مذهب أهل العراق٤ وما فيه من اللِّين وما شاكله في أهل المشرق، ومذهب أهل المدينة٥ وما فيه من الشدَّة والقوَّة في أهل المغرب ــ.

وأمَّا من كانت مساكنُهم محاذيةً لبنات نَعْش، وهم الصَّقالبةُ والرُّوس٦، فإنهم لكثرة بُعْدِهم عن مسامتة الشَّمس٧ صارَ البردُ غالبًا

  1. (١) ابتدأ الرازي بالصين وختم بالشام، فعكسه المصنِّف، وحقَّ له!.
  2. (٢) «السر المكتوم»: «تذكيرا».
  3. (٣) «السر المكتوم»: «ألين نفسًا وأشد ثباتًا وأكثر كتمانًا للأمور». وفي «صفة جزيرة العرب» للهمداني (٣٦) عن بطليموس: «وأمَّا الذين يميلون إلى ناحية المغرب فهم أكثر تأنيثًا [لعلها: تأنِّيًا]، وأنفسهم ألين، ويخفُون أمورهم في أكثر الأمر ويسترونها».
  4. (٤) وهو مذهب أهل الرأي، أبي حنيفة وأصحابه.
  5. (٥) وهو مذهب مالك بن أنس.
  6. (٦) (د، ق): «والرومن». (ت): «والروم». وهو تحريف. والمثبت من «السر المكتوم». قال ياقوت: «الروس: أمةٌ من الأمم، بلادهم متاخمةٌ للصقالبة والترك». والصقالبة: شعوبٌ تسكن بين جبال الأورال والبحر الأدرياتي في أوروبا الشرقية والوسطى. «الموسوعة العربية الميسرة» (١١٢٦). وفي فاتحة تعليقات شكيب أرسلان على «تاريخ ابن خلدون» تعريفٌ جيدٌ بهم.
  7. (٧) «السر المكتوم»: «لكثرة بعدهم عن ممرِّ البروج وحرارة الشمس».
1274

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي