في أعدل الأرض، ولذلك انتشرت شرقًا وغربًا أكثر من انتشارها جنوبًا وشمالًا، ولهذا لمَّا زُوِيَت له فأُرِيَ مشارقَها ومغاربها، وبشَّر أمَّته بانتشار مملكتها في هذين الرُّبعين، فإنهما أعدلُ الأرض، وأهلُها أكملُ الناس خَلْقًا وخُلُقًا، فظهرَ الكمالُ له في الكتاب، والدِّين، والأصحاب، والشَّريعة، والبلاد، والممالك، صلواتُ الله وسلامُه عليه.
فإن قيل: فقد فضَّلتم الإقليمَ الرابعَ على سائر الأقاليم١، مع أنَّ شيئًا من الأدوية لا يتولَّدُ فيه إلا دواءً ضعيفًا، وإنما تتكوَّنُ الأدويةُ في سائر الأقاليم.
قيل: هذا من أدلِّ الدَّلائل على فضله عليها؛ لأنَّ طبيعةَ الدَّواء لا تكونُ معتدلة، إذ لو حصَل فيها الاعتدالُ لكان غذاءً لا دواءً، والطبيعةُ الخارجةُ عن الاعتدال لا تحدُث إلا في المساكن الخارجة عن الاعتدال ــ.
وكذلك حالُ الشَّمس في المواضع التي تسامتُها، فموضعُ حضيضِها وغاية قُربها من الأرض في البراري الجنوبية تكونُ تلك الأماكنُ محترقةً ناريَّة لا يتكوَّنُ فيها حيوانٌ البتة.
ــ ولذلك، والله أعلم، كانت أكثرُ البحار٢ من الجانب الجنوبيِّ٣ دون الشماليِّ؛ لأنَّ الشَّمس إذا كانت في حضيضِها كانت أقربَ إلى الأرض، وإذا كانت في أوْجِها كانت أبعَد، وعند قُربها من الأرض يَعْظُمُ
(١) انظر لتفضيله: «التنبيه والإشراف» للمسعودي (٣٢ - ٣٨).
(٢) (د، ق): «البخار». وهو تحريف.
(٣) في الأصول: «الجوانب الجنوبي». والمثبت من (ط).
تسخينُها، والسُّخونةُ جاذبةٌ للرطوبات، وإذا انجذبت الرطوباتُ إلى الجانب الجنوبيِّ انكشف الجانبُ الشماليُّ ضرورةً، وصار مستقرًّا للحيوان الأرضي، والجنوبيُّ أعظم الجانبين رطوبةً وأكثرها مياهًا ومقرًّا للحيوان المائيِّ ــ.
وأمَّا المواضعُ المسامتةُ لأوج الشَّمس في الشمال فهي غيرُ محترقة، بل معتدلة لبُعْدِ الشَّمس من الأرض.
وبسبب التفاوت القليل الحاصل بين أقرب قُرب الشَّمس من الأرض وأبعدِ بُعْدِها منها صار [الجانب] الجنوبيُّ محترقًا والجانبُ الشماليُّ معتدلًا، فلو كانت الشَّمس حاصلةً في فلك الكواكب١ لفسَد هذا العالَم٢ من شدَّة البرد، ولو فرضنا أنها انحدرَت إلى فلك القمر لاحترق هذا العالَم.
فاقتضت حكمةُ العزيز العليم الحكيم أنْ وَضَعَ الشَّمسَ وسط الكواكب السَّبعة، وجعَل حركتَها المعتدلةَ وقُربها المعتدل سببًا لاعتدال هذا العالَم، وجعَل قُربها وبعدَها وارتفاعَها وانخفاضها سببًا لفصوله التي هي نظامُ مصالحه، فتبارك الله ربُّ العالمين، وأحسنُ الخالقين.
وأهلُ الإقليم الأول لأجل قُربهم من الموضع المحاذي لحضيض الشَّمس كانت سخونةُ هوائهم شديدة، ولا جَرَمَ كانوا أشدَّ سوادًا من مكان خطِّ الاستواء٣.
(١) «السر المكتوم»: «لو صارت إلى فلك الثوابت».
(٢) «السر المكتوم»: «لفسدت الطبائع».
(٣) «السر المكتوم»: «فلا جرم هم أهل السواد، لأن تأثير الشمس فيهم أكثر».