مفتاح دار السعادة

تسخينُها، والسُّخونةُ جاذبةٌ للرطوبات، وإذا انجذبت الرطوباتُ إلى الجانب الجنوبيِّ انكشف الجانبُ الشماليُّ ضرورةً، وصار مستقرًّا للحيوان الأرضي، والجنوبيُّ أعظم الجانبين رطوبةً وأكثرها مياهًا ومقرًّا للحيوان المائيِّ ــ.

وأمَّا المواضعُ المسامتةُ لأوج الشَّمس في الشمال فهي غيرُ محترقة، بل معتدلة لبُعْدِ الشَّمس من الأرض.

وبسبب التفاوت القليل الحاصل بين أقرب قُرب الشَّمس من الأرض وأبعدِ بُعْدِها منها صار [الجانب] الجنوبيُّ محترقًا والجانبُ الشماليُّ معتدلًا، فلو كانت الشَّمس حاصلةً في فلك الكواكب١ لفسَد هذا العالَم٢ من شدَّة البرد، ولو فرضنا أنها انحدرَت إلى فلك القمر لاحترق هذا العالَم.

فاقتضت حكمةُ العزيز العليم الحكيم أنْ وَضَعَ الشَّمسَ وسط الكواكب السَّبعة، وجعَل حركتَها المعتدلةَ وقُربها المعتدل سببًا لاعتدال هذا العالَم، وجعَل قُربها وبعدَها وارتفاعَها وانخفاضها سببًا لفصوله التي هي نظامُ مصالحه، فتبارك الله ربُّ العالمين، وأحسنُ الخالقين.

وأهلُ الإقليم الأول لأجل قُربهم من الموضع المحاذي لحضيض الشَّمس كانت سخونةُ هوائهم شديدة، ولا جَرَمَ كانوا أشدَّ سوادًا من مكان خطِّ الاستواء٣.

  1. (١) «السر المكتوم»: «لو صارت إلى فلك الثوابت».
  2. (٢) «السر المكتوم»: «لفسدت الطبائع».
  3. (٣) «السر المكتوم»: «فلا جرم هم أهل السواد، لأن تأثير الشمس فيهم أكثر».
1277

وأهلُ الإقليم الثاني سخونةُ هوائهم ألطف، فكانوا سُمْرَ الألوان.

والإقليمُ الثالثُ والرابعُ أعدلُ الأقاليم مزاجًا، بسبب اعتدال الهواء. وسببُ تعديله١ [أن غاية] ارتفاع الشَّمس إنما يكونُ٢ [عند كونها] في أبعد بُعْدِها عن الأرض٣.

فهاهنا وإن حصلت المسامتةُ المُوجِبةُ٤ لمزيد السُّخونة، لكن حصَل أيضًا البعدُ المقلِّلُ للسُّخونة، فحصَل الاعتدالُ من بعض الوجوه. وفي الجانب الجنوبيِّ وإن حصَل مزيدُ القُرب من الأرض لكن لم تحصُل هناك مسامتةٌ [معتدلة]، [فلذا كانت أكثر]٥ المساكن المعمورة لخطِّ الاعتدال في الجانبين بهذه الطريق، وصار أهلُ الإقليم الثالث والرابع أفضلَ الناس صُورًا وأخلاقًا.

وأمَّا الإقليم الخامس، فإنَّ سخونة الهواء هناك أقلُّ من الاعتدال بمقدارٍ يسير، فلا جَرَمَ صار في حيِّز البرد٦، وصارت طبائعُ أهله أقلَّ نضجًا من

  1. (١) مهملة في (د). (ق): «تعديه». (ت): «بعديه». (ط): «تعديل». ولعل المثبت أشبه.
  2. (٢) في الأصول: «لا يكون».
  3. (٣) «السر المكتوم»: «بسبب اعتدال الهواء. وأيضًا، فغاية ارتفاع الشمس إنما يكون عند كونها في أبعد بعدها عن الأرض».
  4. (٤) في الأصول: «مسامتة الوحيد»، والكلمة الثانية مهملة في (د). وفي (ط): «مسامتة مفيدة». والأشبه ما أثبت.
  5. (٥) الزيادتان الأخيرتان مني، ليستقيم السياق. ومن قوله: «فهاهنا ...» إلى: «بهذه الطريق» ليس في «السر المكتوم».
  6. (٦) (د، ق): «حز البرد». ومهملة في (ت). وفي «السر المكتوم»: «حيز البرد والثلوج».
1278

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي