طبائع أهل الإقليم الرابع؛ لأنَّ بُعْدَهم١ عن الاعتدال قليل.
وأمَّا أهلُ الإقليم السادس والسابع، فإنَّ أهلَها مَقْرُورون٢، ولغلبة البرد والرطوبة عليهم يشتدُّ بياضُ ألوانهم وزُرْقةُ عيونهم.
وأمَّا المواضعُ التي تَقْرُب من أن يكون القطبُ٣ فيها فوق الرأس، فهناك لا يَصِلُ تسخينُ الشَّمس إليها، فلا جَرَمَ عَظُمَ البردُ فيها، ولم يتكوَّن هناك حيوانٌ البتة.
وهذا كلُّه يدلُّ على أنَّ الشَّمس جزءُ السَّبب، وأنَّ الهواءَ جزءُ السَّبب، والأرض جزء، وانعكاس الشُّعاع جزء، وقبول المنفعِلات جزء، ومجموعُ ذلك سببٌ واحدٌ قدَّره العزيزُ العليمُ القدير، وأجرى عليه نظامَ العالَم.
وقدَّر سبحانه أشياءَ أُخَر لا يعرفُها هؤلاء الجهَّال، ولا عندهم منها خبر، مِنْ تدبير الملائكة، وحركاتهم، وطاعة أستُقُصَّات العالم وموادِّه لهم، وتصريفهم تلك الموادَّ بحسب ما رُسِمَ لهم من التقدير الإلهيِّ والأمر الرباني.
ثمَّ قدَّر تعالى أشياءَ أُخَر تُمَانِعُ هذه الأسبابَ عند التصادم، وتُدافِعُها، وتقهرُ مُوجَبَها ومقتضاها، ليظهر عليها أثرُ القهر والتسخير والعبوديَّة، وأنها
(١) (ق، د) و«السر المكتوم»: «إلا أن بعدهم». والمثبت من (ت).
(٢) رجل مقرور: أصابه البرد. وفي الأصول: «محرورون». محرفة. والمثبت أقرب ما يحتمل الرسم من الصواب، ولست منه على ثقة. وفي «السر المكتوم»: «نجونيون». ولعلها: أسمنجونيون. الأسمنجون: اللون الأزرق الخفيف، والنسبة إليه: أسمنجوني. «المعجم الوسيط» (١٨).
مصرَّفةٌ مدبَّرةٌ بتصريفِ قاهرٍ قادرٍ كيف يشاء، ليدلَّ عبادَه على أنه هو وحده الفعَّالُ لما يريد، المدبِّر لخلقه كيف يشاء، وأنَّ كلَّ ما في المملكة الإلهيَّة طوعُ قدرته، وتحت مشيئته، وأنه ليس شيءٌ يستقلُّ وحده بالفعل إلا الله، وكلُّ ما سواه لا يفعلُ إلا بمشاركٍ ومُعاوِن، وله ما يُعاوِقُه ويُمانِعُه ويسلبه تأثيرَه.
فتارةً يسلبُ سبحانه النَّارَ إحراقَها ويجعلُها بردًا، كما جعَلها على خليله بردًا وسلامًا، وتارةً يمسكُ بين أجزاء الماء فلا يتلاقى، كما فعل بالبحر لموسى وقومه، وتارةً يشقُّ الأجرامَ السَّماوية، كما شقَّ القمرَ لخاتم أنبيائه ورسله، وفتحَ السماءَ لمَصْعَده وعُروجه، وتارةً يقلبُ الجمادَ حيوانًا، كما قلبَ عصا موسى ثعبانًا، وتارةً يغيِّر هذا النظامَ ويُطْلِعُ الشَّمس من مغربها، كما أخبر به أصدقُ خلقه عنه١.
فإذا أتى الوقتُ المعلوم، فشقَّ السَّموات٢ وفَطَرَها، ونَثَرَ الكواكبَ على وجه الأرض، ونَسَفَ جبالَ العالم ودكَّها مع الأرض، وكوَّر شمسَ العالم وقمرَه، ورأى ذلك الخلائقُ عيانًا= ظهَر للخلائق كلِّهم صدقُه وصدقُ رسله، وعمومُ قدرته وكمالها، وأنَّ العالَم بأسره منقادٌ لمشيئته، طوعُ قدرته، لا يستعصي عليه انفعالُه لما يشاء٣ ويريدُه منه، وَعَلِمَ الذين كفروا وكذَّبوا رسله من الفلاسفة والمنجِّمين والمشركين والسُّفهاء الذين سمَّوا أنفسهم الحكماء أنهم كانوا كاذبين.