فكم لله من حكمةٍ في هَدْم هذه الدَّار! ودلالةٍ على عظيم قدرته وعزَّته وسلطانه، وانفراده بالربوبية، وانقياد المخلوقات بأسرها لقَهْره، وإذعانها لمشيئته، فتبارك الله ربُّ العالمين.
ونحن لا ننكرُ ولا ندفعُ أن الزرعَ والنباتَ١ لا ينمو ولا ينشأ إلا في المواضع التي تطلعُ عليها الشَّمس٢، ونحن نعلمُ أيضًا أنَّ وجود بعض النبات في بعض البلاد لا سببَ له إلا اختلافُ البلدان في الحرِّ والبرد الذي سببُه حركةُ الشَّمس وتقاربُها في قُربها وبُعْدِها من ذلك البلد.
وأيضًا، فإنَّ النخلَ ينبتُ في البلاد الحارَّة، ولا ينبتُ في البلاد الباردة، وشجرَ الموز٣ لا ينبتُ في البلاد الباردة. وكذلك ينبتُ في البلادِ الجنوبية أشجارٌ وفواكهُ وحشائشُ٤ لا يُعْرَف شيءٌ منها في جانب الشمال، وبالعكس.
وكذلك الحيواناتُ يختلفُ تكوُّنها٥ بحسب اختلاف حرارة البلاد
(١) عاد النقل من «السر المكتوم» (٢٣).
(٢) «السر المكتوم»: «أو يصل إليها قوة حرُّها».
(٣) «السر المكتوم»: «شجر الأترج والليمو واللوز».
(٤) (ت): «وأعشاب».
(٥) في الأصول: «تختلف بكونها»، والحرف الأول مهمل في (د). وفي «السر المكتوم»: «يختلف الحال في تولدها».
وبرودتها؛ فإنَّ البَبْر١ والفيل يكونان بأرض الهند، ولا يكونان في سائر الأقاليم التي هي دونها في الحرارة، وكذلك غزالُ المِسْك٢ والكَركَنْد٣ وغير ذلك.
وكذلك لا ندفعُ تأثيرَ القمر في وقت امتلائه في الرطوبات، حتى في جَزْرِ البحار ومَدِّها، فإنَّ منها ما يأخذُ في الازدياد من حين يفارقُ القمرُ الشَّمس إلى وقت الامتلاء، ثمَّ إنه يأخذُ٤ في الانتقاص، ولا يزالُ نقصانُه يستمرُّ بحسب نقصان القمر حتى ينتهي إلى غاية نقصانه عند حصول المَحاق.
ومن البحار ما يحصُل فيه المَدُّ والجَزْرُ في كلِّ يومٍ وليلة مع طلوع
(١) مهملة في (د، ق)، وكتب ابن بردس فوقها بخطٍّ دقيق: كذا. (ت): «البيز». (ط): «النسر». وهو تحريف. وعلى الصواب في «السر المكتوم». والبَبْر: سبعٌ هنديٌّ يعادل الأسد في عِظَم الجثة والقوة، أبيض البطن والجانبين مع صفرة، ومخططٌ بخطوط سود. وهو المسمى بالانجليزية: Tiger. ويسميه الناس اليوم: النمر. والنمر مرقَّط وأصغر حجمًا ويكون في آسيا وأفريقيا وغيرها. انظر: «الحيوان» للجاحظ (٧/ ١٣١، ١٧٠)، و«ثمار القلوب» (٧٦٩)، و«حياة الحيوان» (١/ ٣٧٩)، و«معجم الحيوان» (١٤٩، ٢٤٨)، و«معجم الألفاظ الزراعية» للأمير الشهابي (٤٨٣، ٦٤٣)، و«الموسوعة العربية العالمية» (الببر).