إلى وقت الامتلاء أكثر، وخروجُها من قُعور البحار والآجام أظهَر، ومِن بعد الامتلاء إلى الاجتماع فإنها تدخلُ قعورَ البحار والآجام، والذي يظهرُ من سَمِين السَّمك في النصف الأول من الشهر أكثرُ من الذي يظهرُ في الثاني منه.
وكذلك حُرُشُ الأرض١ يكونُ خروجُها من أجحِرَتها في النصف الأول من الشهر أكثر من خروجها في النصف الثاني.
وأصحابُ الغِراس يزعمونَ أنَّ الأشجارَ والغُروسَ إذا غُرِسَت والقمرُ زائدُ الضوء كان نشوؤها وكمالها وإسراعُها في النبات أكملَ٢ من التي تُغْرَسُ في مَحَاقه وذهاب نُوره.
وكذلك تكونُ الرياحينُ والبقولُ والأعشابُ من الاجتماع إلى الامتلاء أزيدَ نشوءًا وأكثر نموًّا، وفي النصف الثاني بالضدِّ من ذلك.
وكذلك القثَّاءُ والقَرْعُ والخِيارُ والبطِّيخُ ينمو نموًّا بالغًا عند ازدياد الضوء، وأمَّا في وسط الشهر عند حصول الامتلاء فهناك يَعْظُمُ النموُّ حتى [إنه] يظهر التفاوتُ للحِسِّ في الليلة الواحدة.
وكذلك الينابيعُ٣ تزدادُ في النصف الأول من الشهر، وتنقصُ في النصف الثاني٤.
(١) جمع: حريش، دويبةٌ على قدر الإصبع، بأرجلٍ كثيرة، وتسميها العامة: «أم أربعة وأربعين». «التاج» (حرش).
(٢) (ق): «أحمد».
(٣) «السر المكتوم»: «المعادن والينابيع».
(٤) «السر المكتوم» (٢٣ - ٢٥).
إلى غير ذلك من الوجوه التي تؤثِّر فيها الشَّمس والقمرُ في هذا العالم.
فنحنُ لم ندفَعْكم عن هذه التَّأثيرات وأضعافها، إنما الذي أنكره عليكم العقلاءُ من أهل المِلل وغيرهم أنَّ جملةَ الحوادث في هذا العالم، خيرِها وشرِّها، وصلاحِها وفسادها، وجميع أشخاصه وأنواعه وصوره وقُواه، ومُدَدِ بقاء أشخاصه، وجميع أحوالها العارضة لها، وتكوُّن الجنين، ومدَّة لُبثه في بطن أمِّه وخروجه إلى الدُّنيا، وعمره ورزقه، وشقاوته وسعادته، وحُسْنه وقُبحه١، وحِذْقه وبلادته، وجهله وعلمه، بل ونزول الأمطار، واختلاف أنواع الشَّجر والنبات في الشكل واللون والطُّعوم والروائح والمقادير، بل انقسام الحيوان إلى الطير وأصنافه، والبحريِّ وأنواعه، والبريِّ وأقسامه، وأشكال هذه الحيوانات، واختلاف صورها وأنواعها وأفعالها وأخلاقها ومنافعها، بل وتكوُّن المعادن المنطبعة٢، كالحديد والرصاص والنحاس والذهب والفضَّة، بل وغير المنطبعة، كالملح والقَارِ والزِّرنيخ والنِّفط والزِّئبق، بل العداوة الواقعة بين الذِّئاب والغنم، والحيَّات والسِّباع وبني آدم، والصَّداقة والعداوة بين أفراد النوع الواحد سيَّما بين ذكوره وإناثه.
وبالجملة؛ فالأرزاقُ والآجال، والعزُّ والذلُّ، والرِّفعةُ والخفض، والغَنَاءُ والفقر، والإحياءُ والإماتة، والمنعُ والإعطاء، والضرُّ والنفع، والهدى والضلال، والتوفيقُ والخذلان، وجميعُ ما في العالم، والأشخاصُ وأفعالها وقُواها وصفاتها وهيآتها= فالمعطي له هذه النجومُ٣، واتصالاتُها
(١) (ت): «وحسنه وقبحه وأخلاقه».
(٢) التي تقبل الطبع، وهو الصنعة والصياغة. «اللسان» (طبع).
(٣) خبر: «أنَّ جملة الحوادث في هذا العالم ... فالأرزاق والآجال ...» وفي (ق): «والمعطى له هذه». وهو خطأ. وكتب ابن بردس في (د) بخطٍّ دقيق بين السطرين تحت: «فالمعطي»: خبر أن.