إلى غير ذلك من الوجوه التي تؤثِّر فيها الشَّمس والقمرُ في هذا العالم.
فنحنُ لم ندفَعْكم عن هذه التَّأثيرات وأضعافها، إنما الذي أنكره عليكم العقلاءُ من أهل المِلل وغيرهم أنَّ جملةَ الحوادث في هذا العالم، خيرِها وشرِّها، وصلاحِها وفسادها، وجميع أشخاصه وأنواعه وصوره وقُواه، ومُدَدِ بقاء أشخاصه، وجميع أحوالها العارضة لها، وتكوُّن الجنين، ومدَّة لُبثه في بطن أمِّه وخروجه إلى الدُّنيا، وعمره ورزقه، وشقاوته وسعادته، وحُسْنه وقُبحه١، وحِذْقه وبلادته، وجهله وعلمه، بل ونزول الأمطار، واختلاف أنواع الشَّجر والنبات في الشكل واللون والطُّعوم والروائح والمقادير، بل انقسام الحيوان إلى الطير وأصنافه، والبحريِّ وأنواعه، والبريِّ وأقسامه، وأشكال هذه الحيوانات، واختلاف صورها وأنواعها وأفعالها وأخلاقها ومنافعها، بل وتكوُّن المعادن المنطبعة٢، كالحديد والرصاص والنحاس والذهب والفضَّة، بل وغير المنطبعة، كالملح والقَارِ والزِّرنيخ والنِّفط والزِّئبق، بل العداوة الواقعة بين الذِّئاب والغنم، والحيَّات والسِّباع وبني آدم، والصَّداقة والعداوة بين أفراد النوع الواحد سيَّما بين ذكوره وإناثه.
وبالجملة؛ فالأرزاقُ والآجال، والعزُّ والذلُّ، والرِّفعةُ والخفض، والغَنَاءُ والفقر، والإحياءُ والإماتة، والمنعُ والإعطاء، والضرُّ والنفع، والهدى والضلال، والتوفيقُ والخذلان، وجميعُ ما في العالم، والأشخاصُ وأفعالها وقُواها وصفاتها وهيآتها= فالمعطي له هذه النجومُ٣، واتصالاتُها
(١) (ت): «وحسنه وقبحه وأخلاقه».
(٢) التي تقبل الطبع، وهو الصنعة والصياغة. «اللسان» (طبع).
(٣) خبر: «أنَّ جملة الحوادث في هذا العالم ... فالأرزاق والآجال ...» وفي (ق): «والمعطى له هذه». وهو خطأ. وكتب ابن بردس في (د) بخطٍّ دقيق بين السطرين تحت: «فالمعطي»: خبر أن.
وانفصالاتُها١، واتصالاتُها بنُقَطٍ وانفصالاتُها عن نُقَطٍ، ومقارنتُها ومفارقتُها ومسامتتُها ومباينتُها، فهي المعطيةُ لهذا كلِّه المدبرةُ الفاعلة له، فهي الآلهةُ والأربابُ على الحقيقة، وما تحتها عبيدٌ خاضعون لها ناظرون إليها!
فهذا كما أنه الكفرُ الذي خرجوا به عن جميع الملل، وعن جملة شرائع الأنبياء، ولم يُمْكِنْهم أن يقيموا بين أرباب الملل إلا بالتستُّر بهم ومنافقَتهم والتزيِّي بزيِّهم ظاهرًا، وإلا فقتلُ هؤلاء من الأمر الضروريِّ في كلِّ ملَّة؛ لأنهم سُوسُها وأعداؤها= فهو من الهذيان الذي أضحكوا به العقلاء على عقولهم، حتى ردَّ عليهم من لا يؤمنُ بالله واليوم الآخر من الفلاسفة، كالفارابي وابن سينا٢ وغيرهما من عقلاء الفلاسفة، وسخروا منهم، واستضعفوا عقولَهم، ونسبوهم إلى الزَّرْق والزَّرْجَنَة٣ والتلبيس.
وقد ردَّ عليهم أفضلُ المتأخرين من فلاسفة الإسلام أبو البركات البغدادي٤
(١) «واتصالاتها وانفصالاتها» ليست في (ت).
(٢) راجع ما تقدم (ص: ١١٨٢، ١١٩٥) والتعليق عليه.
(٣) (ق): «والزرنجة». تحريف. والزرجنة: المكر والخديعة. «المحيط» للصاحب بن عباد (الجيم والزاي)، و«القاموس» (زرجن). والزَّرق تقدم تفسيره.
(٤) هبة الله بن علي بن ملكا، توفي سنة نيف وخمسين وخمس مئة، وقيل قبل ذلك. انظر: «السير» (٢٠/ ٤١٩)، و«أخبار الحكماء» (٤٦٠)، و«حكماء الإسلام» (٣٤٦). وهو من مقتصدة الفلاسفة، وأقربهم إلى الحق، كما يقول ابن تيمية، وفيلسوف الإسلام، كما يصفه المصنِّف. انظر: «مجموع الفتاوى» (١٢/ ٢٠٥، ١٦/ ٣٨٣)، و«منهاج السنة» (١/ ٣٤٨، ٤٠٣)، و«نقض التأسيس» (١/ ٣٠٤)، و«إغاثة اللهفان» (٢/ ٢٥٨).