في كتاب «المعتبر»١ له، فقال: «وأمَّا علمُ أحكام النجوم فإنه لا يتعلَّقُ به منه أكثر من قولهم بغير دليلٍ بحرِّ كواكبَ وبَرْدِها ورطوبتها ويبوستها واعتدالها، كما يقولون بأنَّ زُحَلَ منها باردٌ يابس، والمرِّيخَ حارٌّ يابس، والمشتري معتدل، والاعتدال خيرٌ والإفراط شر، ويُنْتِجُونَ من ذلك أنَّ الخيرَ يوجبُ سعادةً والشرَّ يوجبُ مَنْحَسَة، وما جانسَ ذلك مما لم يقُل به علماءُ الطَّبيعيين، ولم تُنْتِجْه مقدِّماتهم في أنظارهم، وإنما الذي أنتجَته هو أنَّ السماء والسماويَّات٢ فعَّالةٌ فيما تحويه وتشتملُ عليه وتتحركُ حوله فعلًا على الإطلاق، لم يحصل له٣ من العلم الطبيعي حدٌّ ولا تقدير٤، والقائلون به ادَّعوا حصولَه من التوقيف والتجربة والقياس منهما كما ادَّعى أهلُ الكيمياء.
وإلا، فمِن [أين]٥ يقولُ صاحبُ العلم الطبيعي بحسب أنظاره التي سبقت٦: إنَّ المشتري سعدٌ، والمرِّيخَ نحسٌ، أو المرِّيخَ حارٌّ يابس، وزُحل
(١) في الأصول: «التعبير». تحريف. والمثبت هو المعروف، ونصَّ عليه مؤلفه في مقدمته (١/ ٤)، وعلَّل هذه التسمية.
(٢) في نسخة من «المعتبر»: «أن السماويات». وفي «شرح نهج البلاغة» لابن أبي الحديد (٦/ ٢٠٦) وقد نقل كلام أبي البركات: «أن الأجرام السماوية».
(٣) أي: صاحب العلم الطبيعي.
(٤) «المعتبر»: «حد ولا وقت ولا تقدير».
(٥) زيادة من «المعتبر»، وهكذا الزيادات الآتية، إلا ما نبهت على خلافه.
(٦) أي: سبق ذكرها في كتاب المعتبر.
باردٌ يابس؟! والحارُّ والباردُ من الملموسات، وما دلَّه على هذا لمسٌ كما يُسْتَدلُّ بلمس الملموسات١؛ فإنَّ ذلك ما ظهرَ للحِسِّ في غير الشَّمس حيثُ تُسَخِّنُ الأرضَ بشعاعها. وإن كان في السمائيَّات شيءٌ من طبائع الأضداد فالأولى أن تكون كلُّها حارَّة؛ لأنَّ كواكبها كلَّها منيرة.
ومتى يقولُ الطبيعيُّ [المحقِّق] بتقطُّع الفلك وقسمته٢[إلى أجزاء]، كما قسَّمه المنجِّمون قسمةً وهميَّة إلى بروجٍ ودَرَجٍ ودقائق؟! وذلك جائزٌ للمتوهِّم كجواز غيره، غيرُ واجبٍ في الوجود ولا حاصل، ونقلوا ذلك التوهُّم الجائزَ إلى الوجود الواجب في أحكامهم.
وكان الأصلُ فيه ــ على زعمهم ــ حركةَ الشَّمس في الأيام والشهور، فجعلوا٣ منها قسمةً وهميَّة، وجعلوها حيثُ حكموا كالحاصلة الوجودية المتميِّزة بحدودٍ وخطوط، كأنَّ الشَّمس بحركتها من وقتٍ إلى وقتٍ مثله خَطَّت في السماء خطوطًا، وأقامت فيها جدرانًا وحدودًا، وغيَّرت في أجزائها طباعًا تغييرًا٤ يبقى فتبقى به القسمةُ إلى تلك البروج والدَّرَج مع جواز الشَّمس عنها!
وليس في جوهر الفلك اختلافٌ يتميزُ به موضعٌ منه عن موضعٍ سوى الكواكب، والكواكبُ تتحركُ عن أمكنتها، فتبقى الأمكنةُ على التَّشابُه، فبماذا
(١) «المعتبر»: «وما دله على هذا لمس، ولا ما استدل عليه بلمس كتأثيره فيما يلمسه».