باردٌ يابس؟! والحارُّ والباردُ من الملموسات، وما دلَّه على هذا لمسٌ كما يُسْتَدلُّ بلمس الملموسات١؛ فإنَّ ذلك ما ظهرَ للحِسِّ في غير الشَّمس حيثُ تُسَخِّنُ الأرضَ بشعاعها. وإن كان في السمائيَّات شيءٌ من طبائع الأضداد فالأولى أن تكون كلُّها حارَّة؛ لأنَّ كواكبها كلَّها منيرة.
ومتى يقولُ الطبيعيُّ [المحقِّق] بتقطُّع الفلك وقسمته٢[إلى أجزاء]، كما قسَّمه المنجِّمون قسمةً وهميَّة إلى بروجٍ ودَرَجٍ ودقائق؟! وذلك جائزٌ للمتوهِّم كجواز غيره، غيرُ واجبٍ في الوجود ولا حاصل، ونقلوا ذلك التوهُّم الجائزَ إلى الوجود الواجب في أحكامهم.
وكان الأصلُ فيه ــ على زعمهم ــ حركةَ الشَّمس في الأيام والشهور، فجعلوا٣ منها قسمةً وهميَّة، وجعلوها حيثُ حكموا كالحاصلة الوجودية المتميِّزة بحدودٍ وخطوط، كأنَّ الشَّمس بحركتها من وقتٍ إلى وقتٍ مثله خَطَّت في السماء خطوطًا، وأقامت فيها جدرانًا وحدودًا، وغيَّرت في أجزائها طباعًا تغييرًا٤ يبقى فتبقى به القسمةُ إلى تلك البروج والدَّرَج مع جواز الشَّمس عنها!
وليس في جوهر الفلك اختلافٌ يتميزُ به موضعٌ منه عن موضعٍ سوى الكواكب، والكواكبُ تتحركُ عن أمكنتها، فتبقى الأمكنةُ على التَّشابُه، فبماذا
(١) «المعتبر»: «وما دله على هذا لمس، ولا ما استدل عليه بلمس كتأثيره فيما يلمسه».
(٢) «المعتبر»: «بتقطيع الفلك وتقسيمه».
(٣) «المعتبر»: «فحصلوا».
(٤) (ق): «طباعا معتبرا». وهو تحريف.
تتميزُ درجةٌ عن درجةٍ١ ويبقى اختلافُها بعد حركة المتحرِّك في سَمْتِها؟!
فكيف يقيسُ الطبيعيُّ على هذه الأصول ويُنْتِجُ منها نتائجَ ويحكمُ بحسبها٢ أحكامًا؟!
فكيف أن يقول بالحدود التي تجعلُ٣ خمسَ درجاتٍ من برج الكوكب٤ وستَّةً لآخَر وأربعةً لآخَر، ويختلفُ فيها المصريُّون والبابليُّون، ويصدُق الحكمُ مع الاختلاف؟!
وإذا نظر الناظرُ وجَد الأسدَ أسدًا من جهة كواكبَ شكَّلوها بشكل الأسد، ثمَّ انتقلت عن موضعها [وبقي الموضعُ أسدًا، وجعلوا الأسدَ للشَّمس وقد ذهبَت عنه الكواكبُ] التي كان بها أسدًا، كأنَّ [ذلك] المُلْكَ يثبتُ٧ للشَّمس
(١) «المعتبر»: «فبماذا تتميز بروجه ودرجه».
(٢) (ق): «بحسنها». وهو تحريف.
(٣) مهملة في (د). وفي «المعتبر»: «يجعل». «شرح نهج البلاغة»: «ويجعل». والمثبت من (ت، ق).
(٥) الزيادة من «شرح النهج». وبدلها في مطبوعة «المعتبر»: «وأرباب البيوت». وفي الأصول: «وأرباب البيوتات» (الكلمة الثانية مهملة في د، وتحرفت في ق وت إلى: اليبوسات).
(٦) «شرح النهج»: «وأحكام».
(٧) «المعتبر»: «ثبت». «شرح النهج»: «بيت». وهي مهملة في (ق). والمثبت من (د، ت).