مفتاح دار السعادة

الحاكمون بجيِّدٍ ورديء، وسلبٍ وإيجاب، وبتٍّ وتجويز١؛ فصادفَ بعضُه موافقةَ الوجود فصَدَق، فاغترَّ به المغترُّون٢، ولم يلتفتوا إلى ما كذَبَ منه فيكذِّبون٣، بل عَذَروا، وقالوا: هو منجِّم، ما هو نبيٌّ حتى يصدُق في كلِّ ما يقول! واعتذروا له بأنَّ العلمَ أوسعُ من أن يحيط به، ولو أحاط به لصدَق في كلِّ شيء!

ولعمرُ الله إنه لو أحاط به علمًا صادقًا لصَدَق، والشأنُ أن يحيط به على الحقيقة، لا على أن يَفْرِض فرضًا ويتوهَّم وهمًا، فينقله إلى الوجود، ويُثْبِتَه في الموجود٤، وينسبَ إليه، ويقيسَ عليه.

والذي يصحُّ منه٥ ويلتفتُ إليه العقلاء هي أشياءُ غير هذه الخُرافات التي لا أصل لها، مما حصَل بتوقيفٍ أو تجربةٍ حقيقيَّة؛ كالقِرانات، والانتقالات، والمقابلة٦ من جملة الاتصالات، فإنها كالمقارنة٧ مِن جهة أنَّ تلك غايةُ القُرب وهذه غايةُ البُعد، وممَرِّ كوكبٍ من المتحيِّرة تحت كوكبٍ من الثابتة، وما يَعْرِضُ٨ للمتحيِّرة من رجوعٍ واستقامة، وارتفاعٍ٩

  1. (١) مهملة في (د). وفي (ق، ت): «ونحوس». وهو تحريف. والمثبت من «المعتبر».
  2. (٢) «المعتبر»: «فاعتبر به المعتبرون». وفي «شرح النهج»: «فيعتبر به المعتبرون».
  3. (٣) «شرح النهج»: «فيكذبوه».
  4. (٤) (ت): «الوجود».
  5. (٥) أي: علم أحكام النجوم.
  6. (٦) (ت): «والمقابلات».
  7. (٧) في الأصول: «المقارنة». وفي «المعتبر»: «كالمقاربة». والمثبت من «شرح النهج».
  8. (٨) في الأصول: «يفرض». وهو تحريف. والمثبت من «المعتبر».
  9. (٩) في الأصول: «ورجوع». وهو تحريف. والمثبت من «المعتبر».
1294

في شمالٍ وانخفاضٍ في جنوب، وغير ذلك.

وكأني أريدُ أن أختصر الكلام هاهنا وأوافِقَ إشارتَك، وأعملَ بحسب اختيارك رسالةً في ذلك أذكرُ ما قيل فيها في علم أحكام النجوم من أصولٍ حقيقيَّةٍ أو مجازيَّةٍ أو وهميَّةٍ أو غلَطيَّةٍ وفروعٍ ونتائجَ١ أُنتِجَت عن تلك الأصول، وأذكرُ الجائزَ من ذلك والممتنع، والقريبَ والبعيد، فلا أردُّ علمَ الأحكام من كلِّ وجهٍ كما ردَّه من جَهِلَه، ولا أقبلُ منه٢ كلَّ قولٍ كما قَبِلَه من لم يَعْقِلْه، بل أوضِّحُ موضعَ القبول والردِّ في المقبول [والمردود]، وموضعَ التَّوقيف والتَّجويز، والذي من المنجِّم٣ والذي من التنجيم، والذي منهما.

وأوضِّحُ لك أنه لو أمكَن الإنسانَ [الواحدَ] أن يحيط بشكل كلِّ ما في الفلك٤ علمًا لأحاط علمًا بكلِّ ما يحويه الفلك؛ لأنَّ منه مباداء الأسباب، لكنه لا يمكنُ ويَبْعُدُ عن الإمكان بعدًا عظيمًا؛ والبعضُ الممكنُ منه لا يهدي٥ إلى بعض الحُكم، لأنَّ البعض الآخر المجهولَ قد يناقِضُ المعلومَ في حُكمه، ويُبْطِلُ ما يُوجِبه، فنسبةُ المعلوم إلى المجهول من الأحكام كنسبة المعلوم إلى المجهول من الأسباب، وكفى بذلك بُعدًا». انتهى كلامه٦.

  1. (١) في الأصول: «وفروع نتائج». والمثبت من «المعتبر».
  2. (٢) في الأصول: «فيه». والمثبت من «المعتبر».
  3. (٣) (ت): «والذي من المنهج والذي من المنجم».
  4. (٤) (ت): «بكل ما في الفلك».
  5. (٥) في الأصول: «يهتدي». والمثبت من «المعتبر».
  6. (٦) «المعتبر» (٢/ ٢٣٢ - ٢٣٦).
1295

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي