مفتاح دار السعادة

في شمالٍ وانخفاضٍ في جنوب، وغير ذلك.

وكأني أريدُ أن أختصر الكلام هاهنا وأوافِقَ إشارتَك، وأعملَ بحسب اختيارك رسالةً في ذلك أذكرُ ما قيل فيها في علم أحكام النجوم من أصولٍ حقيقيَّةٍ أو مجازيَّةٍ أو وهميَّةٍ أو غلَطيَّةٍ وفروعٍ ونتائجَ١ أُنتِجَت عن تلك الأصول، وأذكرُ الجائزَ من ذلك والممتنع، والقريبَ والبعيد، فلا أردُّ علمَ الأحكام من كلِّ وجهٍ كما ردَّه من جَهِلَه، ولا أقبلُ منه٢ كلَّ قولٍ كما قَبِلَه من لم يَعْقِلْه، بل أوضِّحُ موضعَ القبول والردِّ في المقبول [والمردود]، وموضعَ التَّوقيف والتَّجويز، والذي من المنجِّم٣ والذي من التنجيم، والذي منهما.

وأوضِّحُ لك أنه لو أمكَن الإنسانَ [الواحدَ] أن يحيط بشكل كلِّ ما في الفلك٤ علمًا لأحاط علمًا بكلِّ ما يحويه الفلك؛ لأنَّ منه مباداء الأسباب، لكنه لا يمكنُ ويَبْعُدُ عن الإمكان بعدًا عظيمًا؛ والبعضُ الممكنُ منه لا يهدي٥ إلى بعض الحُكم، لأنَّ البعض الآخر المجهولَ قد يناقِضُ المعلومَ في حُكمه، ويُبْطِلُ ما يُوجِبه، فنسبةُ المعلوم إلى المجهول من الأحكام كنسبة المعلوم إلى المجهول من الأسباب، وكفى بذلك بُعدًا». انتهى كلامه٦.

  1. (١) في الأصول: «وفروع نتائج». والمثبت من «المعتبر».
  2. (٢) في الأصول: «فيه». والمثبت من «المعتبر».
  3. (٣) (ت): «والذي من المنهج والذي من المنجم».
  4. (٤) (ت): «بكل ما في الفلك».
  5. (٥) في الأصول: «يهتدي». والمثبت من «المعتبر».
  6. (٦) «المعتبر» (٢/ ٢٣٢ - ٢٣٦).
1295

ولو ذهبنا نذكرُ مَنْ ردَّ عليهم من عقلاء الفلاسفة والطبائعيِّين والرِّياضيِّين لطال ذلك جدًّا، هذا غير ردِّ المتكلِّمين عليهم، فإنَّا لا نقنعُ به ولا نرضى أكثرَه؛ فإنَّ فيه من المكابرات والمُنُوع الفاسدة والسُّؤالات الباردة والتطويل الذي ليس تحته تحصيلٌ ما يضيِّعُ الزمانَ في غير شيء١، وكان تركُهم لهذه المقابلة خيرًا لهم منها، فإنهم لا للتوحيد والإسلام نَصَرُوا، ولا لأعدائه كَسَرُوا. والله المستعان وعليه التكلان.

فصل

فلنرجع إلى كلام صاحب الرِّسالة.

قال: «وزعموا أنَّ القمر والزُّهَرة مؤنَّثان، وأنَّ الشَّمس وزُحَل والمشتري والمرِّيخ مذكَّرة، وأنَّ عطارد ذكرٌ أنثى مشاركٌ للجنسين جميعًا وأنَّ سائر الكواكب تُذكَّرُ وتُؤنَّثُ بسبب الأشكال التي تكونُ لها بالقياس إلى الشَّمس.

وذلك أنها إذا كانت مشرِّقةً متقدِّمةً للشمس فهي مذكَّرة، وإن كانت مغرِّبةً تابعةً كانت مؤنَّثة، وأنَّ ذلك أيضًا يكونُ بالقياس إلى أشكالها إلى الأفق، وذلك أنها إذا كانت في الأشكال التي من المشرق إلى وسط السماء أو من المغرب إلى ما يقابلُ وسطَ السماء٢ مما تحت الأرض فهي مذكَّرة؛ لأنها إذا كانت شرقيَّةً فهي من ناحية مَهَبِّ الصَّبا، وإذا كانت في الرُّبعَيْن

  1. (١) وشهد بهذا شاهدٌ من أهلهم! قال الآمدي في «غاية المرام» (٢١٠): «قد أكثر الأصحاب [أي: الأشاعرة] في الردِّ عليهم [أي: المنجِّمين] بأسئلةٍ باردة، واستفساراتٍ جامدة، وإلزاماتٍ لا ثبوت لها على محكِّ النظر، تليقُ بمناظرة العامة والصبيان، فسادُها يظهر ببديهة العقل لمن له أدنى تحصيل ...»!.
  2. (٢) «أو من المغرب إلى ما يقابل وسط السماء» ساقط من (ق).
1296

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي