مفتاح دار السعادة

وهذا تلبيسٌ منه؛ فإن الأدكنَ فيه شائبةُ البياض والسَّواد، فلذلك صدَق عليه اسمُهما؛ لأن الكيفيَّتين محسوستان فيه، فتكيُّفه بهما أوجب أن يقال عليه الاسمان.

وأمَّا تقسيمُ الكواكب إلى الذُّكور والإناث، فهي قسمةٌ وضعتم فيها تمييز كلِّ نوعٍ عن الآخر بحقيقته وطبيعته وحدِّه١، وقلتم: البروجُ تنقسمُ إلى ذكورٍ وإناثٍ قسمةً تميَّز فيها عن قسمٍ غيرُ قسمِه٢، لا أنَّ حقيقتها متركبةٌ من طبيعتين ذكوريَّةٍ وأنوثيَّة بحيث يصدُقان على كلِّ برجٍ برج. فنظيرُ ما ذكرتم من الأدكن أن يكون كلُّ برجٍ ذكرًا وأنثى. فأين أحد البابين من الآخر لولا التلبيسُ والمحال؟!

وأيضًا؛ فانقسامُها إلى الذُّكور والإناث انقسامٌ بحسب الطبيعة والتأثير والتأثُّر الذي هو الفعل والانفعال، وما كان كذلك لم تنقلب حقيقتُه وطبيعتُه بحسب الموضع والقُرب والبُعد.

قال صاحب الرِّسالة: «وزعموا أنَّ القمرَ منذ الوقت الذي يُهِلُّ فيه إلى وقت انتصافه الأول في الضوء يكونُ فاعلًا للرطوبة خاصَّة، ومنذ وقت انتصافه الأول في الضوء إلى وقت الامتلاء يكونُ فاعلًا للحرارة، ومنذ وقت الامتلاء إلى وقت الانتصاف الثاني في الضوء يكونُ فاعلًا لليُبس، ومنذ وقت الانتصاف إلى الوقت الذي يخفى فيه ويفارقُ الشَّمس يكونُ فاعلًا للبرودة.

  1. (١) «وحدِّه» ليست في (ق).
  2. (٢) (ت): «عن قسم عن غير قسمة». (ط): «تميز فيها قسم عن قسم».
1298

وأيُّ شيءٍ أقبحُ من هذا؟! ولا سيَّما وقد أعطى قائلُه أن القمرَ رطبٌ، وأنه يفعلُ بطبعه لا باختياره، وكيف [يمكن] أن يفعلَ شيءٌ واحدٌ بطبعه الأشياءَ المتضادَّة مرةً في الدهر، فضلًا عن أن يفعلها في كلِّ شهر؟! وهل القولُ بأن شيئًا واحدًا يفعلُ بطبعه الترطيبَ في وقتٍ، ويفعلُ بطبعه التجفيفَ في آخر، ويفعلُ الإسخانَ في وقتٍ، ويفعلُ التبريدَ في آخر= إلا كالقول بأنَّ شيئًا واحدًا تنقلبُ عينُه وقتًا بعد وقت؟!».

قلت: قد قالوا: إنَّ الشَّمس لما كانت تفعلُ هذه الأفاعيل بحسب صُعودها وهبوطها في فلَكها، فإنها إذا كانت من خمسة عشر١ درجةً من الحوت إلى خمسة عشر من الجوزاء فعلَت التَّرطيب، وهو زمانُ الرَّبيع، وكذلك من خمسة عشر درجةً من الجوزاء إلى خمسة عشر درجةً من السُّنبلة تفعلُ التَّسخين، وهو زمان القَيظ، ومن خمسة عشر درجةً من السُّنبلة إلى خمسة عشر درجةً من القوس تفعلُ التجفيف، وهو زمان الخريف٢، وكذلك من خمسة عشر درجةً من القوس إلى خمسة عشر درجةً من الحوت تفعلُ التبريد، وهو زمانُ الشتاء، وهذا دورُها في الفلَك مرَّةً في العام، والقمرُ يدورُه٣ في شهرٍ واحد= صارت نسبةُ دور القمر في الفلَك كنسبة دور الشَّمس فيه، فكانت نسبةُ الشَّهر إلى القمر كنسبة السَّنة إلى الشَّمس، فالشَّهر يجمعُ الفصولَ الأربعة كما تجمعُه السَّنة، وما تفعلُه الشَّمس في كلِّ تسعين يومًا وكسرٍ يفعلُه القمرُ في سبعة أيَّامٍ وكَسْر.

  1. (١) كذا في الأصول. ولها نظائر في كتب المصنف. وأصلحها ناشر (ط).
  2. (٢) من قوله: «وكذلك من خمسة عشر درجة من الجوزاء» إلى هنا ساقط من (ق).
  3. (٣) (ق): «يدور».
1299

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي