مفتاح دار السعادة

اعتادت قبولَ المُحالات قد تحتاجُ في علاجها إلى ما لا يحتاجُ إليه غيرُها، وبالله التوفيق.

قال صاحب الرسالة: «وقالوا في معرفة أحوال أمَّهات المدن: إنَّ ذلك يُعْلَمُ من المواضع التي فيها الشَّمس والقمرُ في أول ابتنائها١ ومواضع الأوتاد منها، خاصةً وتدَ الطالع، كما يُفْعَلُ في المواليد، فإن لم يوقَف على الزَّمان الذي ابتُنِيَت٢ فيه فليُنْظَر إلى موضع وسط السماء في مواليد الولاة والملوك الذين كانوا في ذلك الزَّمان الذي بُنِيَت فيه تلك المدن».

قلت: ونظيرُ هذا من هذَيانهم قولهم: إنَّا نعرفُ أحوالَ الأب من مولد الابن إذا لم يُعْرَف مولدُ الأب!

قالوا: إنَّ هذا الموضع٣ تالٍ في المرتبة للطالع، وهو أخصُّ المواضع بالطالع، كما أنَّ الأبَ أخصُّ الأشياء بالابن، فكذلك أخصُّ الأشياء بالمَلِك مملكتُه، فموضعُ وسط سمائه يدلُّ على مدينته وأحوالها.

وكلُّ عاقلٍ يعلمُ بطلانَ هذه الدلالة وفسادَها، وأنه لا ارتباط بين طالع المدينة وطالع السُّلطان، كما لا ارتباط بين طالع ولادة الابن وطالع ولادة أبيه، وإنما هذه تشبيهاتٌ بعيدة٤، ومناسباتٌ في غاية البُعد.

قال صاحبُ الرِّسالة: «وقالوا في معرفة حال الوالدين: إنَّ الشَّمس

  1. (١) (ت): «ابتدائها».
  2. (٢) (ت): «أثبتت».
  3. (٣) (ت) «المولد».
  4. (٤) «بعيدة» ليست في (ت).
1302

وزُحَل يشاكلان الآباءَ بالطبع١. ولستُ أدري كيف تُعْقَلُ٢ دلالةُ شيءٍ ليس مما يتوالدُ بطبعه على شيءٍ من طريق التوالد؛ لأنَّ الأبَ إنما يكونُ أبًا بإضافته إلى ابنه، والابنُ إنما يكونُ ابنًا بإضافته إلى أبيه.

وإنهم يستدلُّون٣ على حال الأولاد بالقمر والزُّهَرة والمشتري، وإنَّ أحوالَ الأب تُعْرَفُ من مولد ابنه٤، بأن يقامَ موضعُ الكوكب الدَّالِّ عليه ــ وهو الشَّمس أو زُحَل ــ مقامَ الطالع، ويُستَدلُّ على حال الابن من مولد أبيه، بأن يقامَ موضعُ الكوكب الدَّالِّ عليه ــ وهو أحدُ الكواكب الثلاثة: القمر والمشتري والزُّهَرة ــ مقامَ الطالع.

وقد يكونُ الإنسانُ في أكثر الأوقات أبًا، فتكونُ الشَّمس أو زُحَل تدلُّ عليه من مولد ابنه، وله في نفسه مولدٌ لا محالة، ويمكنُ أن يكون ربُّ طالعِ مولدِه كوكبًا غير الكوكبين الدَّالَّة على حاله من مولد أبيه وابنه، فيكونُ حالُه يُعْرَفُ من ثلاثة كواكبَ وثلاثة بروجٍ مختلفة الأشكال والطبائع!

وتناقضُ هذا القول بيِّنٌ لمستعمِله فضلًا عن متوهِّمه».

قلت: قد قالوا في الجواب عن هذا: إنه لا تناقض فيه، بل هو حقٌّ واجب.

قالوا: إذا أردنا أن نعرف حالَ سقراطَ مثلًا من حيثُ هو إنسان، أليس

  1. (١) (ت): «متشاكلان بالطبع».
  2. (٢) مهملة في (د). (ق): «يفعل». (ت): «تفعل». والمثبت من (ط).
  3. (٣) معطوف على ما قبله. أي: وقالوا: إنهم يستدلون.
  4. (٤) (ق): «مواليد ابنه». وهو خطأ.
1303

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي