مفتاح دار السعادة

وحالُه من جهة ما يناسبه من الأغذية والأدوية مِن مزاجه، وحالُه من جهة أفعاله ورئاسته مِن أخلاقه؛ كالحياء والصَّبر والبَذل، وحالُه من جهة اعتدال مزاجه مِن اعتدال أعضائه وتركيبه وصورته؛ فهذه أحوالٌ بحسب اختلاف أسبابها.

فأين هذا مِن أخذِ حال الولد وعمره وسعادته وشقاوته من طالع أبيه، وبالعكس؟!

فالله يُعِينُ العقلاءَ على تلبيسكم ومحالكم، ويثبِّتُ عليهم ما وَهَبهم من العقول التي رَغِبَ بها١ ورَغِبوا بها عن مثل ما أنتم عليه.

قال: «وزعمَ بَطْليموس أنَّ الفلَك إذا كان على شكلٍ ما ذَكَره، في مولدٍ ما، وكانت الكواكبُ في مواضعَ ذَكَرها؛ وجبَ أن يكونَ الولدُ أبيضَ اللون سَبِطًا، وإن وُجِدَ مولودٌ في بلاد الحبشة والفلَك متشكِّلٌ على ذلك الشَّكل والكواكبُ في المواضع التي ذَكَرها لم يَمْضِ ذلك الحكمُ عليه، ومضى على المولود إن كان من الصَّقالبة أو مَن قَرُبَ مزاجُه من مزاجهم.

وزعمَ أنَّ الفلَك إذا كان على شكلٍ ما ذَكَره، في مولدٍ ما، وكانت الكواكبُ في مواضعَ ذَكَرها؛ فإنَّ صاحبَ المولد يتزوَّجُ أختَه إن كان مصريًّا، فإن لم يكن مصريًّا لم يتزوَّجها.

وزعمَ أنَّ الفلَك إذا كان على شكلٍ آخر ذَكَره، في مولدٍ من المواليد، وكانت الكواكبُ في مواضع بيَّنها٢؛ تزوَّجَ الولدُ بأمِّه إن كان فارسيًّا، وإن

  1. (١) (ق، د): «رغبت».
  2. (٢) في الأصول: «موضع بينهما». وهو تحريف. ومضت نظائره على الصواب.
1305

لم يكن فارسيًّا لم يتزوَّجها.

وهذه مناقضةٌ شنيعة؛ لأنه ذَكَر علَّةً ومعلولًا يوجدُ بوجودها، ويرتفعُ بارتفاعها، ثمَّ ذَكَر أنها توجدُ من غير أن يوجدَ معلولُها».

قلت: أربابُ هذا الفنِّ يقولون: لا بد من معرفة الأصول التي يحكمُ عليها؛ لئلَّا يغلَط الحاكمُ ويذهبَ كلامُه هدرًا إن لم يعرِف الأصول، وهي: الحِسُّ١، والشريعة، والأخلاق، والعادات، مما يحتاجُ المنجِّم إلى تحصيلها، ثمَّ يحكم عليها٢.

وكذلك قال بَطْليموس: إنه يجبُ على المنجِّم النظرُ في صور الأبدان وخواصِّ حالات الأنفُس، واختلاف العادات والسُّنن.

قال: ويجبُ على من نظر في هذه الأشياء على المذهب الطبيعيِّ أن يتشبَّث أبدًا بالسَّبب الأول الصحيح؛ لئلَّا يغلَط بسبب اشتباه المواليد٣، فيقول مثلًا: إنَّ المولودَ في بلاد الحَبَش يكونُ أبيض اللون سَبِطَ الشَّعر، وإنَّ المولودَ في بلاد الروم أسود اللون جَعْدُ الشَّعر، أو يغلَط أيضًا في السُّنن والعادات التي يُخَصُّ بها بعضُ الأمم في الباه٤، فيقول مثلًا: إنَّ الرجلَ من أهل أنطاكيا يتزوَّجُ بأخته، وكان الواجبُ أن ينسبَ ذلك إلى الفارسيِّ.

  1. (١) (ق، د): «الجنس». وهو تحريف.
  2. (٢) انظر: «شرح نهج البلاغة» (٦/ ٢١١).
  3. (٣) (ت): «المولد».
  4. (٤) النكاح. وفي الأصول: «الباهلي». والمثبت من (ط). ووقع في «صفة جزيرة العرب» للهمداني (٤٨) نقلًا عن بَطْليموس في سياقٍ آخر: «الباهية». والباهيَّة نسبة إلى الباه، وتوصف بها بعض الأدوية والأغذية.
1306

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي