مفتاح دار السعادة

واتصالاتٍ كوكبيَّةٍ يُعْلَمُ بالحساب حصولُها في وقتٍ معيَّن، فقضيتُم بحصول تلك الآثار أو نظيرها عندها، إلى أمثال ذلك من أسباب علم تَقْدِمَة المعرفة١ التي جَرَّبت الناسُ٢ منها مثل ما جرَّبتم، فصدقَت تارةً وكذبَت تارة٣.

فغايةُ الحركات النجوميَّة والاتصالات الكوكبيَّة أن تكون كالعِلَل والأسباب المشاهَدة التي تأثيراتُها موقوفةٌ على انضمام أمورٍ أخرى إليها، وارتفاع موانعَ تمنعُها تأثيرَها؛ فهي أجزاءُ أسبابٍ غيرُ مستقلَّةٍ ولا مُوجِبة.

هذا لو أقمتم على تأثيرها [دليلًا]، فكيف وليس معكم إلا الدعاوى وتقليدُ بعضكم بعضًا، واعترافُ حذَّاقكم بأنَّ الذي يُجْهَلُ من بقيَّة الأسباب المؤثِّرة، ومن الموانع الصَّارفة، أعظمُ من المعلوم منها بأضعافٍ مضاعفةٍ لا تدخلُ تحت الوَهْم؟!

فكيف يستقيمُ لعاقلٍ الحكمُ بعد هذا؟! وهل يكونُ في العالم أكذبُ منه؟!

  1. (١) تقدمة المعرفة بالحوداث قبل وقوعها، بدلائل تدلُّ عليها، منها ما هو صحيحٌ مُفْضٍ إلى المعرفة، وتختلف قوى النَّاس في إدراكه وتحصيله، ومنها ما هو بخلاف ذلك. انظر: «مجموع الفتاوى» (٣٥/ ١٧٢، ١٧٣)، و«منهاج السنة» (٤/ ٥٤)، و«الفهرست» (٣٦٢، ٣٦٤، ٤٣٦)، و«أبجد العلوم» (٢/ ١٤، ٢٩)، وما سيأتي (ص: ١٤٣٤ - ١٤٣٧، ١٤٥٤). ولابن قاضي بعلبك (ت: ٦٧٥): «شرح تقدمة المعرفة لأبقراط» منه نسخة خطية في جامعة الملك سعود.
  2. (٢) (ق، د): «جرت بين الناس». وهو تحريف.
  3. (٣) خبر «ومن اعتبر حال حذاقكم ...» محذوفٌ، تقديره: عرف ذلك.
1310

قال صاحب الرِّسالة: «وإذا كان الفلَك متى تشكَّل شكلًا ما، دلَّ إن كان في مولد مصريٍّ على أنه يتزوَّجُ أختَه، فذلك سُنَّةٌ كانت لهم وعادة، وإن كان في مولد غيره لم يدلَّ على ذلك.

ونحن نجدُ أهلَ مصرَ في وقتنا هذا قد زالوا عن تلك العادة، وتركوا تلك السُّنَّة بدخولهم في الإسلام والنصرانيَّة واستعمالهم أحكامَهما.

فيجبُ أن تسقط هذه الدَّلالةُ من مواليدهم لزوالهم عن تلك العادة، أو تكون الدَّلالةُ توجبُ ذلك في مولد كلِّ أحدٍ منهم ومن غيرهم، أو تسقط الدَّلالةُ وتبطُل بزوال أهل مصر عما كانوا عليه، وكذلك جمهورُ أهل فارس. وأيُّ ذلك كان، فهو دالٌّ على قُبْح المناقَضة وشدَّة المغالطة.

وقد رأيتُ وجهَهم بَطْليموس يقول في كتابه المعروف بـ «الأربعة»١: فيَحْدُسُ على أنه يكون كذا وكذا، ويقول: فإذا كان كذا وكذا توهَّمنا أنه يكونُ كذا وكذا».

قلت: الذي صرَّحَ به بَطْليموس أنَّ علمَ أحكام النجوم بعد استقصاء معرفة ما ينبغي معرفتُه٢ إنما هو على جهة الحَدْس لا العلم واليقين.

فمِن ذلك قولُه: «هذا، وبالجملة، فإنَّ جميعَ علم حال هذا العنصر إنما يستقيمُ أن يُلْحَقَ على جهة الظَّنِّ والحَدْس لا على جهة اليقين، وخاصَّةً ما كان منه مركَّبًا من أشياء كثيرةٍ غير متشابهة».

  1. (١) ويسمى أيضًا: «المقالات الأربع». انظر: «تاريخ الأدب العربي» (٤/ ٩٥)، و«استدراكات على تاريخ التراث العربي» (٨/ ٨٧).
  2. (٢) (ت): «بعد استقصاء معرفته».
1311

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي