وهذا أنوشروان ــ وكان من الملوك٣ الأفاضل ــ كان لا يَرْفَعُ بالنجوم رأسًا، فقيل له في ذلك، فقال: صوابُه يُشْبِهُ الحَدْس، وخطؤه شديدٌ على النفس.
فمتى أفضى هذا الفاضلُ النِّحريرُ، والحاذقُ البصير، إلى هذا الحدِّ والغاية؛ كان علمُه عاريًا من الثمرة، خاليًا من الفائدة، حائلًا عن النتيجة، بلا عائدةٍ ولا مَرْجُوع.
وإنَّ أمرًا أوَّلُه على ما قرَّرنا، وآخرُه على ما ذكرنا، لحريٌّ أن لا يُشْغَلَ الزمانُ به، ولا يُوهَبَ العمرُ له، ولا يُعَارَ٤ الهمَّ والكدَّ٥، ولا يُعاجَ عليه٦ بوجهٍ ولا سبب.
(٢) استشارة النجوم. وفي (ت): «تعدو بالإشارة». وهو تحريف.
(٣) «المقابسات» (ز، س): «من المغفلين»!. وهو تحريفٌ طريف، والصواب: «المعقَّلين» أي: الأذكياء. انظر: «تكملة المعاجم» لدوزي (٧/ ٢٦٩)، ومقدمة تحقيق «الهفوات النادرة» (٣١). ولعل ابن القيم استشكلها فغيَّرها.
(٤) «المقابسات»: «يقارَّ». والمثبت من الأصول و(ز، س).
(٥) «المقابسات» (ز، س): «والكدر».
(٦) أي: ولا يلتفَت إليه. وفي «المقابسات» (ز، س): «يعاد عليه».
هذا إن كانت الأحكامُ صحيحةً مُدْرَكَةً محقَّقَة، ومصابةً مُلْحَقةً معروفةً محصَّلة١، ولم يكن المذهبُ على ما زعمَ أربابُ الكلام والذين٢ يأبونَ تأثيرَ هذه الأجرام العالية في الأجسام السافلة، وينفُون الوسائطَ بينهما والوصائل، ويدفعون الفواعِل والقوابِل.
تمَّ السؤال.
فأجاب كلٌّ من هؤلاء بما سَنَحَ له:
* فقال قائلٌ منهم: عن هذا السُّؤال المَهُول٣ جوابان:
أحدهما: هو زجرٌ عن النظر فيه؛ لئلَّا يكون هذا الإنسانُ مع ضَعْف نَحِيزَته٤، واضطراب غريزته، وضَعْف مُنَّته٥، عَدَّاءً على ربِّه، شريكًا٦ له في غَيْبِه، متكبِّرًا على عباده، ظانًّا بأنه فيما يأتي٧ من شأنه قائمٌ بجَدِّه وقدرته، وحوله وقوته، وتشميره وتَقْلِيصه، وتَهْجِيره وتَعْرِيسه، فإنَّ هذا النَّمَط يحجُز الإنسانَ عن الخشوع لخالقه، والإذعان لربِّه، ويُبْعِدُه عن