هذا إن كانت الأحكامُ صحيحةً مُدْرَكَةً محقَّقَة، ومصابةً مُلْحَقةً معروفةً محصَّلة١، ولم يكن المذهبُ على ما زعمَ أربابُ الكلام والذين٢ يأبونَ تأثيرَ هذه الأجرام العالية في الأجسام السافلة، وينفُون الوسائطَ بينهما والوصائل، ويدفعون الفواعِل والقوابِل.
تمَّ السؤال.
فأجاب كلٌّ من هؤلاء بما سَنَحَ له:
* فقال قائلٌ منهم: عن هذا السُّؤال المَهُول٣ جوابان:
أحدهما: هو زجرٌ عن النظر فيه؛ لئلَّا يكون هذا الإنسانُ مع ضَعْف نَحِيزَته٤، واضطراب غريزته، وضَعْف مُنَّته٥، عَدَّاءً على ربِّه، شريكًا٦ له في غَيْبِه، متكبِّرًا على عباده، ظانًّا بأنه فيما يأتي٧ من شأنه قائمٌ بجَدِّه وقدرته، وحوله وقوته، وتشميره وتَقْلِيصه، وتَهْجِيره وتَعْرِيسه، فإنَّ هذا النَّمَط يحجُز الإنسانَ عن الخشوع لخالقه، والإذعان لربِّه، ويُبْعِدُه عن
(٢) «المقابسات» (ز، س): «وأرباب الكلام والدين». وهي قراءةٌ محتملة.
(٣) «المقابسات»: «عن هذه المسألة على التهويل»، (ز، س): «عن هذه المسألة لا على هذا التهويل».
(٤) أي: طبعه. وفي (ق، د): «تجربة». (ت): «تحريه». وهو تحريف. والمثبت من «المقابسات». وفي (ز، س): «مخيلته».
(٥) أي: قوَّته. وفي (ت): «منه». وأهملت في (د). (ق): «منية». وهو تحريف. وفي «المقابسات»: «وانفتات طينته، وانبتات مريرته».
(٦) «المقابسات»: «بحَّاثًا».
(٧) «المقابسات»: «مأتي».
التسليم لمدبِّره، ويحولُ بينه وبين طرح الكاهِل١ بين يدي من هو أملكُ له وأولى به.
وأمَّا الجوابُ الآخر: فهو بشرى عظيمةٌ على نعمةٍ جسيمةٍ لمن حصل له هذا العلم، وذلك سرٌّ لو اطُّلِع عليه، وغيبٌ لو وُصِلَ إليه، لكان ما يجدُه الإنسانُ فيه من الرَّوْح والرَّاحة والخير في العاجلة والآجلة يكفيه مُؤنةَ هذا الخطب الفادح، ويغنيه عن٢ تجشُّم هذا الكدِّ الكادح.
فاجعَل أيها المنكِرُ لشرف هذا العلم بدلَ عَيْبِك٣ ما يخفى عليك خفيُّه ومكنونُه تذلُّلًا لله ــ تقدَّس اسمُه ــ فيما استبان لك معلومُه ووَضَحَ عندك مظنونُه.
ثمَّ قال: اعلم أنَّ العلمَ به حقٌّ، ولكنَّ الإصابةَ بعيدة، وليس كلُّ بعيدٍ محالًا، ولا كلُّ قريبٍ صوابًا، ولا كلُّ صوابٍ معروفًا، ولا كلُّ محالٍ موصوفًا، وإنما كان العلمُ حقًّا، والاجتهادُ فيه مبلِّغًا٤، والقياسُ فيه صوابًا، وبذلُ السعي دونه محمودًا؛ لاشتباك٥ هذا العالَم السفليِّ بذلك العالَم العُلويِّ، واتصالِ هذه الأجسام القابلة بتلك الأجسام٦ الفاعلة، واستحالةِ
(١) أي الحِمْل الذي عليه. على المجاز. وغُيِّرت في «المقابسات» (س) إلى «الكل».